ثم سار حباسة بن يوسف في جيوشه من برقة قاصدا للإسكندرية، في مئة ألف أو زيادة عليها. فدخل الإسكندرية يوم السبت لثمان خلون من المحرم سنة اثنتين وثلاث مئة. وقدمت الجيوش من المشرق. فقدم القاسم بن سيما إلى مصر مددا لتكين، لعشر بقين من صفر. ثم قدم أبو علي الحسين بن أحمد الماذرائي، وأبو بكر محمد بن علي بن أحمد الماذرائي إلى مصر على تدبيرها؛ دخلا يوم السبت سبع خلون من ربيع الأول سنة اثنتين وثلاث مئة. وقدم معهما أحمد بن كيغلغ، وأبو قابوس محمود بن حمك، في جمع من القواد. ثم خرج ابن عمرون على مقدمة تكين إلى الجيزة. وخرج تكين في جيوشه إلى الجيزة فعسكر بها. وسار حباسة من الإسكندرية فعسكر بمشتول. فنودي بالنفير في الفسطاط يوم الثلاثاء لعشر بقين من جمادى الآخرة، فلم يتخلف عن الخروج إلى الجيزة أحد من الخاصة والعامة. ثم انصرفوا عشيا ولم يكن لقاء. ثم نودي بالنفير من الغد يوم الأربعاء، فخرج الناس أيضا، ثم لم يكن لقاء. ثم نودي يوم الخميس، فخرج الناس خروجا لم ير مثله قط في الاجتماع والنشاط وحسن البصيرة. وأتاهم حباسة في جيشه يومئذ، فيما بين الظهر والعصر. فالتقوا وكثرت القتلى منهم، وقتلت رجالة حباسة كلهم. ثم من الله وله الحمد بهزيمتهم، ومنح أهل مصر أكتافهم. ومضوا على وجوههم هاربين، ورأوا من اجتماع الناس، ونصر الله ما لم يسمع بمثله. ومضى جمع من الرعية فاتبعوهم، وعبروا خلفهم خليج بوهة، واختلط الظلام. فخرج عليهم كمين لحباسة بعد المغرب، فاقتطع طائفة منهم، فقتل من يرحمهم الله نحوا من عشرة آلاف. وأصبح الجند يوم الجمعة على مصافهم بالجيزة. ثم نودي بالنفير يوم الجمعة صلاة المغرب، فاضطرب الناس لذلك اضطرابا شديدا. وخرجت الرعية إلى الجيزة ليلتهم كلها كخروجهم بالأمس. ثم عادوا إلى الفسطاط في غداة يوم السبت، ولم يكن لقاء. قال نافع بن محمد بن عمرو:
ألا شق جيب الصبر إن كنت موجعا ... ولا يلف لاح فيك للعذل مطمعا
لما دهم الإسلام من فجع حادث ... تهم له أركانه أن تضعضعا
لمصرع أخوان على الدين صرعوا ... لنصرة دين الله يالك مصرعا
فماتوا كراما ما استضيموا أعزة ... يلاقون في الله الأسنة شرعا
ألم ترهم يوم الخميس وقد غدا ... عدوهم فيمن أعد وجمعا
وقد صاح فيهم بالنفير أميرهم ... فجاءوا سراعا حاسرين ودرعا
فصادمهم في الناكثين فأبدأوا ... وكان حماة الدين أعلى وأمنعا
فولى بخزي طوقته كتامة ... وقد سقيت كأسا من الموت مترعا
ألوف أباد القتل جم عديدهم ... فأمسوا طعاما للكلاب ومرتعا
ترى القوم صرعى في الحلافي جواثما ... كأعجاز نخل بالبقيع تقلعا
وطيف بهام الفاسقين على القنا ... وبضع من لحماتهم ما تبضعا
وكانت لحزب الكفر إذ ذاك عطفة ... فقتل من أشياعنا من تسرعا
فصلى على تلك النفوس مليكها ... وعوضها أبقى ثواب وأنفعا
وقال ابن مهران:
وأي وقائع كانت بسفط ... ألا بل بين مشتول وسفط
وقد وافى حباسة في كتام ... بكل مهند وبكل خطي
وقد حشدوا لمصر ودون مصر ... له خرط القتاد وأي خرط
وأقبل جاهلا حتى تخطى ... وجاز بجهله حد التخطي
بكتب جماعة قد كاتبوه ... من اقباط بمصر وغير قبطي
وكل كاتبوه ونافقونا ... وكل في البلاد له موطي
ووافانا سليمان بن كافي ... يخط الأرض في غير المخط
وحفت بالأمير له رماة ... من الأتراك ممن ليس يخطي