ثم مضى احمد بن طولون إلى طرسوس من دمشق. فلما صار بالمصيصة، بعث بوجوه من معه إلى يازمان الخادم يدعوه إلى طاعته والدعاء له، ويعطيه أمانا على ما أسلفه. فلم يجبه يازمان إلى شيء مما سأل. فزحف احمد بن طولون إلى أذنة، ثم إلى طرسوس. فوجد يازمان قد تحصن بها، ونصب المجانيق على سورها. فنزل احمد بن طولون بجيوشه عليها في شدة من البرد، وكثرة من الأمطار والثلوج. فأرسل يازمان الماء على عسكر احمد بن طولون من نهر البردان، فغرق عسكره. ولم يكن لابن طولون مقام، فرحل عنها ليلا. ورجع إلى أذنة، فأقام بها. وقال محمد بن داود لأحمد:
بغى على الثغر وأزرى به ... بغي أبي القصد نفاج
وسار كي يجتث آثارهم ... من سفل الناس بأفواج
واستنصر القوم على بغيه ... بكل صافي القلب ضجاج
وكل ماضي الحد ذي رونق ... ومحكم التثقيف بعاج
فاستعمل الملعون أدراجه ... منهزما أخبث أدراج
فكيف قاتلت أسود الشرى ... ألي الزماجير بإنهاج
تلقى بني الحرب ليوث الوغى ... وكل دخال وخراج
قوم إذا استصرخهم صارخ ... لبوا بإلجام وإسراج
تلقاهم للخير جهلا بهم ... بكل طبال وصناج
وقد أتى إسحاق من هاهنا ... ومن هناك ابن أبي الساج
فثم تعدو القهقرى ناكصا ... وتمحق الليل بإدلاج
وقال الوليد بن عبيد البحتري:
وعند أبي العباس لو كان دانيا ... يرجى الفناء السهل والكنف الرحب
سيوف لها في كل دار عدى ردى ... وخيل لها في كل دار عدى نهب
علت فوق بغراس فضاقت بما جنت ... صدور رجال حين ضاق بها الدرب
ولو حضرته أنشياه استقلتا ... إلى كليتيه حين أزعجه الرعب
وما شك قوم أوقدوا نار فتنة ... وساءت إليهم أن نارهم تخبو
كأن لم يرو سيما الطويل وجمعه ... وما فعلت فيه وفي جمعه الحرب
ولو لم يحاجز لؤلؤ بفراره ... لكان لصدر الرمح في لؤلؤ ثقب
وارتحل أحمد بن طولون من أذنة إلى المصيصة، فأقام بها أياما. وعرضت له علته التي كان منها حتفه، فأغذ السير إلى مصر والعلة تزيد عليه حتى بلغ الفرما. فركب في الليل إلى الفسطاط، فدخلها يوم الخميس لعشر بقين من جمادى الآخرة سنة سبعين ومئتين. فأمر أحمد بن طولون بكشف بكار بن قتيبة، ووقفه للناس، وأمر بسجنه في جمادى الآخرة سنة سبعين. وسجن كاتبه قيس بن حفص وأصحابه، وأمرهم برفع حساب ما جرى على أيديهم. ثم أطلق بكارا في شعبان سنة سبعين. وجعل النظر في الأحباس إلى سري بن سهل صاحب الشرط.
وتزايدت علة أحمد بن طولون، فأمر الناس بالدعاء له. فغدا الناس بالدعاء له إلى مسجد محمود بسفح المقطم، يوم الاثنين لست خلون من شوال سنة سبعين. وحضر معهم القصاص. فدعوا له، ثم غدوا أيضا بالدعاء له. وحضرت اليهود والنصارى معتزلين عن المسلمين. وحضروا أيضا اليوم الثالث مع النساء والصبيان. وأقاموا على ذلك أياما. ثم توفي أحمد بن طولون ليلة الأحد لعشر خلون من ذي القعدة سنة سبعين ومئتين. فبلغت وفاته المعتمد فاشتد وجده عليه وجزعه. وقال المعتمد يرثيه:
إلى الله أشكو أسى ... عراني كوقع الأسل
على رجل أروع ... يرى فيه فضل الرجل
شهاب خبا وقده ... وعارض غيث أفل