لله دري إذ أغدو على فرسي ... إلى الهياج ونار الحرب تستعر
إن كنت سائلة عني وعن خبري ... فها أنا الليث والصمصامة الذكر
من آل طولون إن سألت عنه فما ... فوقي لمفتخر بالجود مفتخر
لو كنت شاهدة كري بلبدة إذ ... بالسيف أضرب والهامات تبتدر
إذا لعاينت مني ما تنادره ... عني الأحاديث والأنباء والخبر
وقتل يومئذ صناديد عسكره، ووجوه أصحابه وحماته، ونهبت أمواله وسلاحه، ورجع هاربا إلى برقة في ضر وإخلال.
وعقد احمد بن طولون لإبراهيم بن بلبرد على جيش، وبعث به إلى برقة، وذلك في شهر رمضان سنة سبع وستين. وجعل مكانه على الشرط شري بن سهل. فأقام إبراهيم فيما بين برقة والإسكندرية. ثم أجمع احمد بن طولون على النهوض بنفسه إلى برقة، فاستعد لذلك، وخرج في عسكر عظيم. فزعموا أن عسكره ذلك كان مضموما على مئة ألف. وخرج من الفسطاط يوم الخميس ثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة ثمان وستين ومئتين. فأقام بالإسكندرية وهرب احمد بن محمد الواسطي من يدي العباس، فأتى سكندرية. فلقي احمد ابن طولون بها، وهو عازم على المسير إلى برقة. فصغر أمر العباس عنده، فعقد ابن طولون لطبار على بعض الجيش الذي كان معه، فيهم احمد بن وصيف وتيتك سعد الأيسر. ومضوا يريدون برقة. فالتقى طبار مع أصحاب العباس بموضع يقال له دنباره من أرض برقة، يوم الاثنين لتسع بقين من جمادى الآخرة سنة ثمان وستين ومئتين. وانهزم أصحاب العباس، وقتل منهم كثير. وهرب العباس، فاتبعوه فأدركوه يوم الأحد لأربع خلون من رجب سنة ثمان.
ورجع احمد بن طولون إلى الفسطاط يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من رجب سنة ثمان وستين. وأتي بالأسرى، فيهم جعفر بن جدار وأبو معشر ومحمد بن سهل المنتوف وعبد الله بن طغيا قد أعطوا أمانا. فرأى بكار القاضي أن الأمان لهم. وكان دخولهم يوم الأربعاء لثمان بقين من شوال سنة ثمان وستين. ثم أخرجوا يوم الأربعاء لمستهل ذي القعدة، وقد بنيت لهم دكة عظيمة رفيعة السمك. فأمر احمد بن طولون بابن جدار، فضرب ثلاث مئة سوط. ثم تقدم إليه العباس فقطع يديه ورجليه، وألقي من الدكة.
ثم بعث احمد بن طولون بلؤلؤ غلامه في جيش إلى الشام. فكاتبه أبو احمد الموفق وبعث إليه أبو احمد، فحمله في الماء من الرقة جمادى الأولى سنة تسع وستين. فبلغ ذلك احمد بن طولون، فسارع إلى الخروج، ورجا أن يلحق لؤلؤا. واستخلف على مصر ابنه خمارويه بن احمد.
ثم خرج احمد في صفر سنة تسع وستين، وخرج معه بالعباس مقيدا. فسار احمد حتى نزل دمشق. فكتب إلى خلف الفرغاني عامله على طرسوس؛ كان طخشي قد استخلفه عليها عند وفاته. فكتب إليه احمد يأمره بالقبض على يازمان الخادم، وبحمله إليه. فعلم أهل طرسوس بذلك، وأخذوا يازمان من يدي خلف، وأخرجوا خلفا من طرسوس، وولوا عليهم يازمان. فمضى احمد بن طولون إلى دمشق، يريد المسير لمحاربة أهل طرسوس. فتلقاه كتاب المعتمد، يعلمه أنه خارج إليه، فتوقف احمد بن طولون. وخرج المعتمد من العراق كالمتصيد، ثم ركب الطريق إلى الرقة. وبلغ أبا احمد الموفق مسيره، وهو إذ ذاك مواقف العلوي بالبصرة. فكتب أبو احمد إلى إسحاق ابن كنداح الخزري، وإلى صاعد بن مخلد، يخبرهما أن المعتمد قد مضى إلى احمد بن طولون، وإن تم له هذا لم يبق من الموالي أحد، ويأمر إسحاق أن يلحقه فيرده، ووعده على رده أموالا وإقطاعات. فلما سار المعتمد إلى الحديثة، أتاه إسحاق بن كنداح بهدايا وألطاف، واستأذنه في خطاب الذين ساروا معه، وهم خطاريش واحمد بن خاقان وتيتك وإبراهيم بن مدبر. فأذن له في خطابهم. فخلا بهم إسحاق فقيدهم ثم عاد إلى المعتمد، فقال: إن الذي عزم عليه أمير المؤمنين هو الخطأ. وأخذه وأحدره إلى سر من رأى يوم الأحد لخمس خلون من شعبان سنة تسع وستين. ووكل به إسحاق بن كنداح خمس مئة رجل. فعقد أبو احمد الموفق لإسحاق بن كنداح على مصر.