وسار خالد بن سعيد في الذين معه، وعليه قباء خز أصفر وعمامة خز صفراء، وقد سوم فرسه بعمامة، وعمد إلى المسجد الجامع في نصف الليل. فانتهبوا بيت المال ثم تضاربوا عليه بسيوفهم. فلم يصل منهم إليه إلا اليسير. وبعث يزيد بن حاتم مع ابن حديج بنوبة بن غريب الخولاني، و بأبي الأشهل سعيد بن الحكم الأزدي من أهل الموصل، ودفيف بن راشد مولى يزيد بن حاتم. وقال لهم يزيد: إن رأيتم المصابيح في الدور فهو أمر عام، فانصرفوا إلي، وإلا فأتوا المسجد فأعلموا الخبر. فلما انتهوا قالوا: نرجع. قال نوبة: أما أنا فلا أبرح حتى يأتي أمره، لأنه قال لكما: أرجعا ولم يقل لي. فقال له ابن حديج فقف إذا عند دور بني مسكين، فأنه مفرق طرق. قال: أما هذا فأفعل. وثاب إلى يزيد بن حاتم نفر من أهل مصر، وأتاه المنتظر بن إسماعيل الرعيني من الصحراء. فقال ابن حاتم: ما فعل ابن عمير الحضرمي؟ قالوا لم يخرج معهم. قال: وأبو حزن المعافري؟ قالوا: بالباب. قال: فالأمر يسير. وأرسل ابن حاتم إلى أصحابه، فجعلوا يأتونه سكارى. فقال: إن نضوحكم الليلة لكثير. وكان ممن حضر ليلتئذ من وجوه قواده العلاء ابن رزين الأزدي من سليمة، ويحيى بن عبد الله بن العباس الكندي، وأبو الهزهاز النخعي، وأبو كندة بن عبيد بن مالك الكلبي. فساروا جميعا، ثم وجه دفيفا في جمع منهم من قبل سوق وردان. ومضى ابن حديج، وكان بسوق الحمام. ووقف أبو الأشهل في السراجين. وأقبل نصر بن حبيب في الجموع من نحو دور بني مسكين. فوقف ابن حديج على الباب الذي من ناحية بيت المال، فكلم خالد بن سعيد، وهو فوق ظهر المسجد، كلمة قبطية فقال: انسل. فخرج على وجهه ورمى مسود بسهم في الظلمة نحو مخرج الكلام، فأصاب خد خالد بنشابته. وخرج من نحو سوق الحمام، وخرج ابناه إبراهيم وهدبة من نحو المرحاض الذي إلى دار بني سهم. ومضى خالد بن سعيد إلى إسماعيل بن حيوة بن عقبة بن كليب الحضرمي فسأله أن يخفيه فقال: لقد هممت أن أوبقك وأذهب بك إلى الأمير. ثم أتى عياش بن عقبة بن كليب فقال: أخاف اليمين. فأتى يحيى بن جابر أبا كنانة الحضرمي، فآواه سبعين ليلة حتى سكن الطلب، وهدأ أمره. وقتل تلك الليلة كلشم بن المنذر الكلبي ثم أحد بني عامر، ممن كان مع خالد بن سعيد، ولم يكن هذا مذهبه، وإنما كان غضب على يزيد بن حاتم، فخرج عليه مع خالد. وأمر يزيد بن حاتم عبد الله بن حديج بإطلاق الأسارى. فقال: حتى أؤدبهم. فضربهم وخلاهم.
وكان القتلى تلك الليلة من أصحاب خالد ثلاثة عشر رجلا، ولم يكن فيهم من له ذكر غير كلثم بن المنذر الكلبي.
ثم قدمت الخطباء إلى مصر برأس إبراهيم بن عبد الله بن حسن، في ذي الحجة سنة خمس وأربعين ومئة، فنصبوه في المسجد الجامع. وقامت الخطباء فذكروا أمره. وهم شبة بن عقال، وكرب بن مصقلة بن رقبة الحيري، ويحيى بن عبد الرحمن الأعلم، وخالد بن أسيد، وزافر الفياش ابن عمر، صبيح بن الصباح، والحضرمي معاوية. وأما علي بن محمد بن عبد الله بن حسن، فاختلف في أمره. فزعم بعض الناس أنه حمل إلى أبي جعفر.
وأخبرني ابن قديد عن يحيى بن عثمان بن صالح عن ابن عفير: أن علي بن محمد اختفى عند عسامة بن عمرو. وقد وجه عسامة إليه، وأنزله قرية له من طوة. فمرض علي بها فمات ودفن بها. وحمل عسامة إلى العراق فحبس زمانا. فلما صار الأمر إلى المهدي، قام أبو عبيد الله الأشعري كاتب المهدي وشفع فيه. فأمنه المهدي، على أن يصدقه عن علي بن محمد. فقال: مات والله يا أمير المؤمنين في بيتي لا شك فيه. فصدقه المهدي، وفرض له مئتين، ورده إلى مصر.
وأما خالد بن سعيد فاستخفى زمانا طويلا، ثم مات في زمن المهدي بعد الستين ومئة في سكندرية.
وشكت المعافر إلى يزيد بن حاتم بعد الماء عنهم. فابتنى يزيد بن حاتم فسقية المعافر، وأجرى الماء من ساقية أبي عون، وأنفق فيها مالا عظيما. فقال له أبو جعفر: لم أنفقت مالي على قومك؟