تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسخط عبد الله بن عبد الملك على عمران بن عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة، فصرفه عن الشرط والقضاء وسجنه، وذلك في صفر سنة تسع وثمانين. وجعل مكانه على الشرط عبد الأعلى بن خالد بن ثابت بن ظاعن الفهمي، وعلى القضاء عبد الواحد بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج. وأمر عبد الله بسقف المسجد أن يرفع سمكه، وكان سقفه مطأطئا، وذلك في سنة تسع وثمانين.

حدثنا عاصم بن رازح بن رحب الخولاني قال: حدثنا محمد بن حميد بن هشام الرعيني قال: حدثني أبي قال: حدثني الحسن بن معاوية النصيري قال: حدثني ابن أبي ليلى التجيبي، عن عبد الحميد بن حميد الكاتب مولى خزاعة، عن أبيه قال: " كان موسى بن نصير يكاتب عبد العزيز بن مروان. فلما هلك عبد العزيز، ولى عبد الملك عبد الله بن عبد الملك. فلم يكاتبه موسى، وكاتب عبد الملك. فكتب إليه عبد الله بن عبد الملك: أما بعد، فإنك كنت من عبد العزيز وبشر بين مهادين، تعلو عن الحضيض مهودهما، ويدفئك دثارهما، حتى عفا مخبرك، وسمت بك نفسي. فلا تحسبني كمن كنت تخلبه وأعداء بيته، وتقول: اكفياني أكفكما، ولا كأصبغ كنت تمينه بكهانتك. وأيم الله لأضعن منك ما رفعا، ولأقلن منك ما كثرا. فضح رويدا، فكأن قد أصبحت سادما، تعض أناملك نادما. والسلام.

فكتب إليه موسى بن نصير: أما بعد، فقد قرأت كتابك، وفهمت ما وصفت فيه من إركاني إلى أبويك وعمك. ولعمري إن كنت لذلك أهلا. ولو خبرت مني ما خبرا، لما صغرت مني ما عظما، ولا جهلت من أمرنا ما علما. فكيف أتاه الله لك؟ فأما انتقاصك لهما، فهما لك، وأنت منهما، ولهما منك ناصر لو قال وجد عليك مقالا، وكفاك جزاء العاق. فأما ما نلت من عضي، فذلك موهوب لحق أمير المؤمنين لا لك. وأما تهددك إياي بأنك واضع مني ما رفعا، فليس ذلك بيدك ولا إليك، فارعد وأبرق لغيري. وأما ما ذكرت مما كنت آتي به عمك عبد العزيز، فلعمري إني مما نسبتني إليه من الكهانة لبعيد، وإني من غيرها من العلم لقريب. فعلى رسلك! فكأنك قد أظلك البدر الطالع، والسيف القاطع، والشهاب الساطع. فقد تم لها، وتمت له. ثم بعث إليك الأعرابي الجلف الجافي، فلم تشعر به حتى يحل بعقوتك فيسلبك سلطانك، فلا يعود إليك ولا تعود إليه. فيومئذ تعلم أكاهن أم عالم، وتوقن أينا النادم السادم. والسلام.

فلما قرأ عبد الله الكتاب، كتب إلى عبد لملك كتابا، وأدرج كتاب موسى فيه. فلم يصل الكتاب إلى عبد الملك حتى قبض، ووقع الكتاب في يد الوليد بعد أن عزل عبد الله عن مصر، وولى قرة بن شريك. فلما قرأه الوليد استضحك ثم قال: لله دره، إن كان عنده لأثرة من علم، ولقد كان عبد الله غنيا أن يتعرضه " .

فحدثني علي بن قديد قال: حدثني عبيد الله بن سعيد بن عفير قال: حدثني أبي قال: حدثني القاسم بن الحسن بن راشد: " أن يحيى بن حنظلة مولى بني سهم نزه عبد الله بن عبد الملك إلى منية له بالجيزة. فلما رأى طعاما كان أكثر من طعامه؛ إن الرجل من الجند ليأخذ الخروف ما ينازعه أحد. فلما متع النهار، أقبل قرة بن شريك على أربع من دواب البريد، إحداهن عليها الفرانق.فنزل بباب المسجد، ونزل صاحباه. فدخل فصلى عند القبلة وتحول، فجلس صاحباه عن يمينه ويساره. فأتاهم حرس المسجد، وكان له شرط يذبون عنه. فقالوا: إن هذا مجلس الوالي، ولكم في المسجد سعة. قال: وأين الوالي؟ قالوا: في متنزه. قال: فادع خليفته. فانطلق شرطي منهم إلى عبد الأعلى فأعلمه. فقال أصحابه: أرسل إليه يأتك صاغرا. قال: ما بعث إلي إلا وله علي سلطان، أسرجوا. فركب حتى أتاه فسلم. قال: أنت خليفة الوالي؟ قال: نعم. قال: انطلق فاطبع الدواوين وبيت المال. قال: إن كنت والي خراج فلسنا أصحابك. قال: ممن أنت؟ قال: من فهم. فقال قرة:

لن تجد الفهمي إلا محافظا ... على الخلق الأعلى وبالحق عالما

سأثني على فهم ثناء يسرها ... أوافي به أهل القرى والمواسما

فقال: السلام عليك أيها الأمير. وكتب إلى عبد الله بن عبد الملك يعلمه. فأتاه الخبر، وقد أهديت له جارية. فبكى ولبس خفه قبل سراويله دهشا " .

قال: وكتب رجل من قريش إلى الوليد:

عجبا! ما عجبت حين أتانا ... أن قد امرت قرة بن شريك

ولات مصر · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ولات مصرص ١٨