يمد يده في الك الجهة؛ بل تلتصق يده من تلك الناحية. وهذا مبلغ في الجهالة لا حاجة إلى الإطناب في إبطاله، ثم سبيل التحقيق أن نقول: إنما يختص كل جوهر بحيزه لكون نخصصه به، فما المانع من تباعد جوهرين واختصاص كل منهما بحيز أو كون نخصصه به؟
وتمسك هؤلاء بأن قالوا: من عَمَدَ إلى قارورة ضيقة المنفذ، وامتص الهواء منها، وأمسك رأس القارورة بعد امتصاص الهواء منها، وقلبها على الماء، ورفع الإصبع عن رأسها، فتستعلى أجزاء الماء في القارورة، وذلك لاصطكاك الأجرام عند ارتفاع الوسائط. وهذا الذي ذكروه لا محصول له من أوجه:
منها أنا نقول لهم: هلا انكسرت القارورة؟ وهلا تضامت واصطكت أجزامها كما خلت عن جزء من الهواء؟
أو نقول: أليس الذي يمنع الهواء من القارورة مُدرِج رأسها في فيه، فكيف يأتي له امتصاص الهواء وفوه ممتلئ من الواء؟ فتناقض قولهم من قولهم.
ثم الذي تمسكوا به عادة جرت على حسب اطراد العادة في الشبع والريّ وغير هما، ولا حكم عند نفاة الطبائع للعوائد ما لم تشهد لها العقول. فهذه جمل مقنعة في الاعتمادات والأكوان محتوية على قول بليغ في أبوابها مع توفو المعاني والاختصار في العبارات، وهي من أعظم أركان الدقائق. وقد قيّض الله بحارها على أحسن الوجوه. ونحن الآن نخوض بعدها في إيضاح الأدلة على تقدس الرب سبحانه عن الجهات، والأحياز، وقبول الأكوان، والله المستعان وعليه الثكلان.