فإقامة وجهك للدين حنيفاً هو جبلتك وفطرتك عينها ، هذه المركبة مثلاً مصممة لتمشي على طريقٍ مُعَبَّد ، أما المدرعة فهي مصممة لتمشي على طريقٍ وعر ، والمركبة المصممة لتمشي على طريقٍ معبَّد ، حينما تمشي بها على طريقٍ وعر تكسِّرها ، أما إذا سرت بها على طريقٍ معبدة تختفي الأصوات وترتاح النفس ، فأنت ماذا فعلت ؟ أنت استعملتها وفق أصل تصميمها .
والآن ، أنت مفطور على حب الكمال ، وحب العدل ، وحب الإحسان ، وحب الرحمة ، فإذا عدلت وأحسنت ورحمت ، فماذا فعلت ؟ اهتديت إلى فطرتك ، وصار هناك انسجام ، وحصل راحة ، لذلك من أسباب السعادة التي يشعر بها الإنسان أنه اهتدى إلى فطرته ، فانسجم معها، ولذلك فالمؤمن يشعر بشيء لا يوصف ، ما هذا الشيء ؟ أنه مرتاحٌ من داخله ، وأنه متوازن ، وأن خط بيانه صاعد صعوداً مستمراً .
إلا أن الفطرة شيء ، والصبغة شيءٌ آخر ، فالفطرة أنت مفطورٌ على حب الكمال ، والجمال ، والنوال ، والإحسان ، والعدل ، والعطاء ، فأنت مفطور هكذا ، ولذلك فالإنسان مهما كان انتماؤه ، ومهما تكن هويته ، أو تقصيره فإنه يحب العدل ، بل إن اللصوص بعد أن يسرقوا يصرِّحون بأنه لابد من اقتسام هذا المال المسروق بالعدل ، لأن هذه فطرة ، وأي إنسان حتى لو كان كافراً ، أو مُلحداً ، مفطور على حب العدل ، والإحسان، والرحمة ، والعطاء ، والكمال ، والجمال ، والنوال إلخ ... ولكن الفرق الدقيق بين الفطرة والصبغة ، فالإنسان في أصل فطرته صفحةٌ بيضاء مبرمجةٌ على حب الإحسان والعدل والرحمة ، والإنصاف والكرم إلخ ... وأن تحب العدل شيء ، وأن تكون عادلاً شيءٌ آخر ، وأن تحب الرحمة شيء ، وأن تكون رحيماً شيءٌ آخر ، أن تحب الإحسان شيء ، وأن تكون محسناً شيءٌ آخر ، وأن تحب أن تعطي شيء وأن تعطي حقيقةً شيءٌ آخر ، فما الفرق بين الفطرة والصبغة ؟