هؤلاء جاؤوا ليشرحوا لأقوامهم كتاب الله عزَّ وجل ، ليشرحوا التوراة ، فسيدنا موسى نبيُّهم الأول ، أنزل الله عليه التوراة ، والأنبياء الذين جاؤوا من بعده شرحوا لأقوامهم مضمون هذا الكتاب ، فالرسول معه كتابٌ من السماء ، أما النبي فقد أرسله الله للمؤمنين ليشرح لهم كتاباً سابقاً ، كل رسولٍ نبي وليس كل نبيٍ رسول .
لكن الشيء الذي ينبغي أن نقف عنده وقفةً متأنيَّة هو : أن كمال الله عزَّ وجل يقتضي إرسال الرسل ، حينما يخلق الله خلقه دون أن يعلمهم بسرِّ خلقهم ، دون أن يعلمهم بمنهجه الذي يؤدي إلى سلامتهم وسعادتهم فهذا يتناقض مع كماله ، فحينما تُعَطِّلُ مفهوم الرسالة فقد وصفت الله بما لا يليق به ، وأوضح مثل :
أب جالس في بيته وابنه الصغير اقترب من المدفأة ، هل يبقى ساكتاً ؟ هل يبقى متكتِّفاً ؟ أم ينطلق لينصحه ليبعده ؟ وقد يقوم من مكانه ليأخذه ، فمن مستلزمات كمال الله عزَّ وجل ألا يترك عباده معطَّلين عن الأمر والنهي .
النقطة الدقيقة أن هذا الكون المادي الذي هو تحت سمعنا وبصرنا ينطق بعظمة الله ، ينطق بوجوده ، وينطق بوحدانيَّته ، وينطق بكماله ، هذا الكون ينطق بكمال الله ، ومن مستلزمات كمال الله ألا يدع عباده معطَّلين عن الأمر والنهي والمعرفة ، لابدَّ من أن يبلِّغهم ، خلقهم في الدنيا ليعملوا عملاً صالحاً هو ثمن سعادتهم الأبديَّة في الآخرة ، خلقهم في الدنيا ليتعرَّفوا إلى الله ، ليتعرَّفوا إلى منهجه ، ليتعرَّفوا إلى سرِّ وجودهم وغاية وجودهم ، ما من قومٍ إلا وأرسل الله لهم نبياً لقوله تعالى :وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ(7)
( سورة الرعد )