حدَّثني رجل فقال لي : لي أبٌ باعه طويل في تجارة المواشي ، والأغنام ، والسمن ، والصوف ، فلمَّا أراد أن يتقاعد من عمله باختياره وكَّلني أن أكون مكانه في هذا العمل ، وكنت شاباً جاهلاً ، ركبت السيارة ، وذهبت إلى البادية لأشتري الصوف ، ومعي ميزان ضخم ، أردت أن أحتال على هذا الإنسان البدوي الساذج ، كان كلَّما وزن جَزَّة أقول له رقماً فيه كسور ، ثلاثة وعشرين كيلو وثمانمئة غرام ، طرب هذا البدوي لهذا الوزن الدقيق علماً أنه حذف عشرة كيلو ، طرب هذا البدوي لهذا الوزن الدقيق ، لكنه شعر بِحِسِّه العام عندما انتهى الوزن ، أن هذه الكميَّة ثمنها أربعون ألفاً ، فوجد أن ثمنها خمسة وعشرين ألفاً ، فقال له باللغة البدوية : " ترى برقبتك إذا لعبت عليَّ " ، قال لي : بعدما غادرت هذا المكان شعرت بخوف ، بخطأ ، هل أرجع لأستسمح منه ، أمضي ، ماذا أفعل ؟ قال لي : بقيت في صراع مع نفسي من مكان شراء الصوف إلى مكان بعد الضُمير تقريباً ، قال لي : خطر في نفسي ، خاطر داخلي ، بالتعبير الدارج : " حط بالخرج " ، قال لي : ما أتممت هذا الخاطر إلا رأيت نفسي وسط بركةٍ من الدماء ، انقلبت السيارة ، وتناثرت البضاعة ، وسال السمن من أوعيته ، وأنا وسط الدماء !! هذا معنى قوله تعالى :
( سورة الزخرف )
ما دام الإنسان بين الخوف ، والرجاء ، والاستغفار ، والتردُّد ، في بحبوحة ، أما إذا اتخذ قراراً قطعياً يأتي الرد الإلهي .
فالمعنى الذي نستنبطه من هذا أن ربنا عزَّ وجل عفوٌ كريم ، يعفو ، ويسامح ، ويعطي فرصة للاستغفار ، ولكن حينما يصرُّ العبد على خطئه يأتي الردُّ الإلهي ، هذا معنى قوله تعالى :
من النِعَم التي امتنَّ الله بها على بني إسرائيل :