تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذكرت لكم أيضاً أنك حينما توظف مالك في العمل فلابدَّ من أن يعيش معك أناسٌ كثيرون ، ولقد غدت حالياً البطالة مشكلة المشاكل في الأرض ، فكلما أودِعَت الأموال في البنوك زاد حجم البطالة ، وكلما وظفت الأموال في الأعمال تقلَّص حجم البطالة ، وهذه قاعدة سليمة وصحيحة .

وذكرت لكم أيضاً أن السعر كلما ارتفع ـ والربا يسهم في رفع الأسعار ـ ضاقت شريحة المنتفعين بهذا الشيء ، وإذا ضاقت فلابدَّ من أن يرتفع السعر مرةً ثانية كي يضمن التاجر لنفسه حياةً مستقرَّة ، إذاً سلسلةٌ لا تنتهي حلقةٌ مفرغةٌ . أما حينما يلد العمل المال توزَّع الأموال ، أو توزع الكتلة النقدية بين أيدي الناس جميعاً . هذا ملخَّص الدرس الماضي .

والآن إلى تفاصيل هذه الآيات . يقول الله جلَّ جلاله :

(يأكلون) أي يكسبون ، وفي هذا إشارة إلى أن حاجة الإنسان إلى الطعام والشراب حاجةٌ متميِّزة ، بل هي حاجةٌ أولى ، فإذا كسب المال الحرام فهذا من أجل أن يأكل ، وقد ذكر الله جل جلاله أن الأنبياء يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ، وفي هذا إشارةٌ دقيقة إلى أن النبي بشر تقوم حياته على تناول الطعام ، إذاً هو مفتقرٌ في وجوده وفي استمرار وجوده إلى تناول الطعام والشراب ، ثم إنه مفتقرٌ مرةً ثانية إلى ثمن الطعام، ولابدَّ من أن يمشي في الأسواق كي يحصِّل ثمن الطعام ، هذا هو البشر ، مفتقرٌ مرتين مرةً إلى الطعام ثم إلى ثمنه ، لابدَّ من أن يأكل ويشرب ولابدَّ من أن يعمل ، ونحن مقهورون بالعمل ؛ نعمل من أجل أن نأكل ، ثم نعمل من أجل أن نتزوج ، ثم نعمل من أجل أن نؤكِّد ذواتنا .

فهذا الذي يأكل الربا بنى مجده على أنقاض الناس ، وبنى غناه على فقرهم ، وبنى عِزَّه على ذلهم ، ويوم القيامة يوم العدل ، يوم الحق ، يوم الدينونة ، يوم توفى كل نفسٍ ما كسبت وهم لا يظلمون ، فحينئذٍ تكشف الحقائق ..فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ(22)

) سورة ق (

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٤٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٤٩٦