وبعد ، أمعن الفكر والنظر : لو زرت مريضاً ومعك هدية ، أنت ماذا تفعل ؟ تضع بطاقة على الهدية ، ليعلم هذا الذي زرته أن هذه الهدية منك ، إذاً المُنفق حريص أن يعلم الذي أنفقت من أجله أن هذا الإنفاق منك ، هذه القضية الأساسية في الإنفاق مغطاة بهذه الآية ، معك إيصال ، أو ليس معك إيصال ، هناك شهود ، أو ليس من شهود ، نوَّهت ، ما نوهت ، سكتَّ، تكلمت ، صرَّحت ، فإن الله يعلمه ، لذلك فالمؤمن إذا أنفق نفقة في سبيل الله مطمئنٌ أشد الطمأنينة إلى أن الله يعلم ، وهذا الذي يبعدك عن النفاق ، وهذا الذي يبعدك عن استجداء المديح ، وهذا الذي يُزَهِّدك في أن يُكتب اسمك مع المحسنين ، وأن يكون لك وجاهة عند الناس، كل هذا أنت مستغنٍ عنه لأن الله يعلم ، وإذا كان الله يعلم فغيره إن علم أو لم يعلم سيَّان، علم أو لم يعلم فلا خير أبداً .
شخص نذر إن شفى الله ابنه ليوزِّعن لحماً على الفقراء ، هذا نوع من الإنفاق ، لكنه إنفاق مشروط ، الإنفاق الأول إنفاق من دون شرط ، والإنفاق الثاني إنفاق مشروط ، لكني أضع بين أيديكم هذه الحقيقة : الله عز وجل لا يُشارط ، ولا يُجَرب ، والأولى أن تنفق من دون شرط ؛ لأن الله يعلم ، يعلم أن الابن مريض وأن هذا الأب حريص على شفاء ابنه ، يا رب قد أنفقتُ هذه النفقة لعلك تنظر له بالشفاء ، أما إن شفيته أدفع ، هذا مقبول ، ولكن الأكمل أن تنفق بلا شرط ، مقبول أن تنذر نذراً ، ولكن الأكمل والأقوى ، والأبلغ ، والأرقى أن تنفق النفقة من دون شرط ..