تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

طبعاً هذا يذكِّرنا أن الإنسان يوم القيامة حينما يستحق النار يُسأَل : كم لبثت في الأرض عدد سنين ؟ ماذا يقول ؟ لبثت يوماً أو بعض يوم ، من أجل يوم أو بعض يوم يستحق الإنسانُ النارَ إلى أبد الآبدين ؟!! من أجل أيام تمضي ! الإنسانُ زمن ، إنسان عاش كذا سنة ، ثم توفاه الله عز وجل ، وصار خبرًا ، كان رجلاً فصار خبراً ، كان شخصاً فصار رقما ، كان ملء السمع والبصر فصار تحت التراب ، كان فوق التراب يهابه الناس فأصبح تحت أطباق الثرى ، كان إذا نظر نظرةً خاف الناس ، إذا هو الآن مسجىً في النعش ، هكذا .

أي لم يفسد ، على ما هو عليه ، طعام مضى عليه مئة عام هو هو، طازج ، بلونٍ زاهٍ ، طريٌ ..

من آيات الله الدالة على عظمته ، طبعاً حماره رآه كومة من العظام..

أي نركبها بعضها فوق بعضٍ ..

لكن الإنسان إذا ضعف إدراكه احتاج إلى خرقٍ للعادات ، أما إذا كان مفكراً يقظاً ، كفاه الكون معجزة ، وقد ورد في الأثر : " أنْ حسبكم الكون معجزة " ، الكون وحده معجزةً بكل ما في هذه الكلمة من معنى .

ثم يقول الله عز وجل :

الحقيقة سيدنا إبراهيم عليه السلام مؤمن ، ومؤمن إلى درجة اليقين ، ولكن اليقين أنواع ؛ نوع استدلالي ، ونوع شهودي ، أنت إنْ رأيتَ دخاناً وراء جدار ، تقول : لا دخان بلا نار ، أنت متأَكِّدٌ من وجود النار خلف الجدار ، هذا يقين استدلالي ، فإذا وقفت في الطرف الآخر من الجدار، ورأيت النار بعينك ، هذا يقين شهودي ، فسيدنا إبراهيم متيقنٌ يقيناً استدلالياً ، لكنه الآن يريد اليقين الشهودي ..

بعضهم تأوَّل هذه الآية : بأن هذا النبي الكريم من شدة محبّته لله ، أراد أن يرى أثر فعل الله عز وجل ، وكأنه تمنَّى أن يرى عظمة الله من خلال هذه الآية ، وليس شاكًّا في قدرة الله ، ولا في علم الله ، ولا في حكمة الله ، ولكنه تطلَّع إلى أن يرى أثر قدرة الله عز وجل ..

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٤٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٤٤٦