هذا ينقلنا إلى أن هناك نصرٌ استحقاقي ، لو كنتم قلةً ، لكنكم إن كنت مؤمنين حقاً ، متمسكين بأهداب الشرع ، ملتزمين ، مفتقرين إلى الله عز وجل ولو كنتم قلة ، لقوله تعالى :
هذا هو النصر الاستحقاقي ، أما حينما يقول الله عز وجل : غُلِبَتْ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ(3)فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ
( سورة الروم)
هذا نصر تَفَضُّلِّيّ ، قد لا يستحق الرومان أن ينتصروا على الفُرس، قد لا تتوافر فيهم شروط النصر ، ولكن حكمة الله اقتضت أن ينصر الأقل سوءً على الأكثر سوءً ، هذا نصر تفضُّلي ، وقد تستمعون إلى نصرٍ ، في العصور الحديثة يشبه النصر التفضُّلي ، قد لا يستحق المنتصر أن ينتصر، إلا أن حكمة الله تقتضي أن ينتصر الأقل سوءً أن يغلب الأكثر سوءً ، هذا النصر الثاني ، النصر التفضلي .
أما النصر التكويني ، فهذا لا علاقة به بالدين إطلاقاً ، طرفان بعيدان عن الله ، طرفان جاهلان ، طرفان معرضان عن الله ، طرفان لا يؤمنان بالله إطلاقاً ، هذان الطرفان ينتصر الأكثر عُدَّة ، والأكثر عدداً ، والأمضى سلاحاً ، والأكثر دقة في الرمي ، والأغنى ، والأقوى ، والأعلم، فهذا عندئذٍ نصر تكويني ، لا علاقة له بالدين ، لذلك قالوا : المعركة بين حقين لا تكون ، لأن الحق لا يتعدَّد ، وبين حقٍ وباطل لا تطول ، لأن الله مع الحق ، وبين باطلين لا تنتهي ، هذا هو النصر التكويني .
فأما قوله تعالى :
هؤلاء القلة القليلة ..
بهذا الدعاء المخلص ، قال :
الذي كان في جيش طالوت ..
هنا المغزى ..