تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإنسان المؤمن يرجو ويخاف ، فلو بنيت علاقته مع الله على الرجاء دون الخوف اختلت هذه العلاقة ، ولو بنيت علاقته مع الله على الخوف دون الرجاء لاختلت هذه العلاقة ، فالأنبياء والمرسلون والمؤمنون الصادقون يعبدون الله خوفاً و طمعاً ورغبة ورهبة ، فهذا الوضع المتوازن يعني ترجو رحمته وتخاف عذابه ، ترجو رحمته بحيث لا تطمع فيها فتقع في معصية ، وتخشى عذابه بحيث تحملك هذه الخشية على طاعته دون أن تيئس من رحمته . فهي قضيه فيها توازن دقيق ، ترجوه دون أن تطمع في رحمته طمعاً يحملك على معصية الله ، وتخافه خوفاً دون أن يحملك على اليأس من رحمة الله ، فالخوف طبيعي ما لم يحملك على اليأس ، والرحمة طبيعية ما لم تحملك على معصية ، نرجو رحمتك ونخشى عذابك ، إنهم يعبدون الله رغباً ورهباً ، فهولاء الذين آمنوا الإيمان الحقيقي وهاجروا تركوا المنكر ، وجاهدوا في سبيل الله ، وبذلوا الجهد ليصلوا إلى مرضاة الله عز وجل وهؤلاء في الأساس يرجون رحمة الله ، ولذلك دعا النبي عليه الصلاة والسلام فقال : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَعَمَلٍ لَا يُرْفَعُ وَقَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَقَوْلٍ لَا يُسْمَعُ.

(مسند الإمام أحمد 13180) .

فأنت لو عملت عملاً صالحاً يجب أن تبقى قلقاً لعل في هذا العمل نية لا ترضي الله ، ولعل في هذا العمل حظاً من حظوظ الدنيا ، استعذ بالله من عمل لا يرفع ، ولذلك فقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن الجنة التي هي فضل الله عز وجل لا يكفيها العمل بل لا بد من رحمة الله ، هذا الكلام يحتاج إلى تفصيل .

إلا أن يتغمدني الله برحمته .

فالجنة محض فضل ، تحتاج إلى رحمة الله ، إن كل عملك في الدنيا لا يكفي ثمناً للجنة ، ولكنه قد يكون سبباً لدخول الجنة ، وفرق كبير بين أن يكون العمل سبباً ، وبين أن يكون العمل ثمناً ، كل عملك الصالح لا يكفي ليكون ثمن الجنة .

إلا أن يتغمدني الله برحمته .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٢٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٢٦٣