تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فخلاف نقص المعلومات طبيعي ، فلو فرضنا أنَّنا في يوم 29 من رمضان وسمعنا صوت مدفع ، يا ترى أهو مدفع الإثبات ، أم هناك عقدة في الجبل صخرة تفجر من أجل شق طريق ، صرنا في اختلاف ، لماذا اختلفنا ؟ لنقص المعلومات ، فإذا استمعنا إلى أنه قد ثبت أن غداً أول أيام عيد الفطر انتهى الاختلاف إذْ توضحت المعلومات ، فهناك اختلاف طبيعي جداً لا يمدح ولا يذم ، هذا اختلاف نقص معلومات ، أما إذا جاء الحق هنا تكون المشكلة : " وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات " ، البينات جاءت ، والمسلمون الآن ؛ لا تبتعدوا كثيراً فالمسلمون معهم كتاب واحد من المشرق إلى المغرب ، ومن الشمال إلى الجنوب ، ومعهم سنة واحدة ، ونبي واحد ، مع ذلك فهم مختلفون ، ملل ونحل وطوائف ومذاهب ، ونزعات واتجاهات ، إلى درجة أنك تحار ، ما هذه الفرقة مع أن عوامل الوحدة بين أيدينا ، لماذا يتعاون أعدائنا وبينهم قواسم مشتركة لا تزيد عن خمسة بالمئة ، ولماذا نحن نتقاتل وبيننا قواسم مشتركة تزيد عن خمسة وتسعين بالمئة ؟ إنه اختلاف أهواء ، واختلاف مصالح : " وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم " ، البغي هو العدوان ، وحينما أريد أن آخذ ما ليس لي ، أعتدي ، وحينما أريد العدوان أبحث في النصوص عن شيء يغطي عدواني ، وحينما أريد أن آخذ ما ليس لي ، أنا معتدٍ ، لأن الإنسان مثقف مفلسف بالأساس ، فهو يبحث عن تبرير لعدوانه ، ويختلق أنواع التبريرات ، فالاختلاف الأول اختلاف حيادي ، لا يمدح ولا يذم ، اختلاف نقص المعلومات، أما الاختلاف الثاني فهو اختلاف عدوان وبغي وأهواء ومصالح ، ولذلك تجد أكثر الأديان مع أنها ذات نصوص واحدة اختلفت ، وتشعبت ، وتشرذمت ، وتمزقت ، ونشأت بينها العداوة والبغضاء ، ثم الخصومات ، ثم القتال ، ثم سالت الدماء بينهم : " وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم " ، بغياً

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٢١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٢١٨