قاضٍ في العهد العباسي فيما أذكر طُرِق بابه ، فسأل خادمه : مَن لدى الباب ؟ فإذا بطبق من التمر ، أو من الرطب في بواكيره ، وكان هذا القاضي معروفا بحبه هذا الرطب في بواكيره ، فهو أكلٌ نفيس جداً ، وفاكهة غالية ، وبمستوى عالٍ جداً ، في أوله ، فسأل خادمه من قدم هذا الطبق يا بني ؟ ، قال : رجل لدى الباب ، قال : صفه لي ، قال صفته كيت وكيت ، فعلم أنه أحد الخصوم ، أو أحد المتداعيين ، فرد الطبق ، وبعد أيام طلب مقابلة الخليفة ، وطلب منه أن يعفيه من منصب القضاء ، قال : ولمَ ؟ قال : والله جاءني غلامي قبل أيام بطبق من الرطب في بواكيره، وعلمت أنه من أحد المتخاصمين ، وفي اليوم التالي تمنيت أن يكون الحق مع الذي قدم هذا الطبق ، مع أني لم أقبله ، فكيف لو قبلته ؟ هذا العدل ، فالعدل يسع الجميع " ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه " ، إذا كان التشريع إلهيًا انصاع كل الناس له ، وبالمناسبة لو أن واحدًا يدّعي أنه مسلم وجئته بحكم شرعي قرآني ، وتلكأت نفسه في قبوله فليس بمؤمن ، لأن الله عز وجل يقول : " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " .
( سورة الأحزاب : 36 ) .
أنت عبد ، والذي جاء بهذا الكتاب نبي كريم ، وهذا الكتاب من عند خالق عظيم ، فإذا وضعت أحكام الكتاب على بساط البحث والمناقشة فلست مؤمناً ، " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " .
" فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " .
( سورة النساء : 65) .
لماذا يجتمع المسلمون ، لأن إلههم واحد ، وكتابهم واحد ، ونبيهم واحد ، ولأن التشريع الذي ينصاعون له ليس من عند أنفسهم ، بل من عند خالقهم ، وهذا أحد أسباب وحدتهم ، وحينما يدعون هذا التشريع وعدهم لهذا التشريع فتركهم له أحد أسباب فرقتهم .