وكذلك المؤمن في الدنيا ؛ يتاجر ، يتزوج ، يؤسس مثلاً معهدًا ، يؤسس عملاً ، أو مصنعًا، فهدفه أن يجمع مالاً ينفقه في سبيل الله ، وهدفه أن يجمع مالاً يوظِّفه في الحق إذا كان تاجرًا ، وإذا اختار العلم هدفه أن يتعلم علمًا متينًا يقوي المسلمين ، فالمؤمن هدفه الجنة ، هدفه رضوان الله والجنة ، فلذلك أمام مليار خيار ، ويختار من هذه الخيارات ما يوظف لهدفه الكبير ، ويركل بقدمه من هذه الخيارات ما يتناقض مع هدفه .
فالمؤمن أشياء يقبلها ، وأشياء أخرى يرفضها بإصرارٍ عجيب ، وقد تكون أشياء مغرية جداً ، لكنه يضعها تحت قدمه ، لأنها تتناقض مع هدفه ، وقد تُعْرَض عليه الدنيا من أوسع أبوابها، وقد يعرض عليه مالٌ كبير ، أو مكانةٌ علية ، يركلها بقدمه لأنها تتناقض مع الجنة ومع رضوان الله ، وقد يبذل جهد جهيدًا ، وقد يعمل بالتعتيم ، وقد يعمل جنديًا مجهولاً لأنه يرضي الله عزَّ وجل .
والنقطة الدقيقة التي أحرص على توضيحها : إنك إن عرفت سر وجودك ، وغاية وجودك، فالآن تقيَّم أي شيء في الدنيا ، تقييمًا في ضوء الهدف ، فإن كان في خدمته أخذت به ، وإن تناقض مع الهدف ركلته بقدمك ، فلديك سياسة واضحة تسير عليها ، وهناك منظومة قيَم ، فكل شيء يقيَّم تقييمًا في ضوء الآخرة ، وكل شيء قرَّبك إلى الله أخذت به ، وكل شيء أبعدك عن الله أعرضت عنه ، أيْ قد تُعْرِض عن قراءة كتاب ، كتاب فارغ، مثلاً ( الإلياذة والأوديسَّا ) لهمُرس، قصيدة قالها شاعر إغريقي ، وكلها آلهة ، ليس لك علاقة بها ، هناك إنسان يشتري مجلة فيقرأها كلها ، وقتك ثمين ، اقرأ المقالة التي تعنيك ، أما قصة تافهة ثمانمئة صفحة .