تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من الممكن أن تحصِّل الدنيا بذكاء ، لكن الآخرة لا تحصل إلا بعبادة ، منهج الله كما قلت قبل قليل هو منهج موضوعي ، إذ لو طبقه كافر لقطف ثماره ، فأنت إن أردت الدنيا فقد تعرف أبوابها ومداخلها ومخارجها، ولكنك إن أردت الآخرة فلابد من أن تعبد الله العبادة الصحيحة .

أيها الإخوة الكرام ... آيات الحج هذه مهما قرأناها ، ومهما تأمَّلنا في معانيها ، ومهما وقفنا عند تفاصيلها ودقائقها ، تبقى معلوماتٍ نظريّة ولابد من أن تحج بيت الله الحرام ، واسألوا الله من أن يمكنكم من حج بيت الله الحرام ، لأن الحقيقة أن هذه العبادة كبيرة ، وأنها مديدة وأنها متنوعة ، وأنها مالية ، وشعائرية ، ومناسك ، فإذا أدِّيَت كما أراد الله عز وجل عشت في سعادةٍ لا توصف وكانت شحنةً كبيرةً جداً .

والله أيها الإخوة ... تستمع إلى بعض الحجاج بعد أن يعودوا من بيت الله الحرام فتصعق ، يحدثك عن كل شيء إلا الحج ، يحدثك عن كل شيء أين سكن ؟ ماذا أكل ؟ والتكييف ؟ والماء البارد ، والطرقات ، والأقواس ، وبيت الله الحرام ، والإضاءة ، وتكبير الصوت ، يحدثك عن كل شيء ، لكن بماذا شعرت وأنت تطوف ؟ ماذا فعلت وأنت بين الصفا والمروة ماذا فعلت ؟ ماذا دعوت وأنت في عرفات ؟ معظم الناس إن جهلوا حقيقة الحج يحدثونك عن كل شيءٍ إلا الحج .

وهناك بعضٌ من هؤلاء يحدّثك عمّا شعر وهو في هذه المناسك ، تشتهي أن تذهب إلى الحج فوراً ، وتشتهي أن تحج كل عام ، وتشعر أن الله قد استضافك ، وأنت ضيف الرحمن ، وأكرمك إكراماً لا حدود له ، فهل من المعقول أن تترك بيتك ، وولدك ، وزوجك ، ومالك ، ومتجرك ، ومحلك ، ومكانتك ، ووظيفتك ، ورتبتك ، ولباسك ومركبتك ، وأن تذهب إلى بيت الله الحرام ‍! يتابع الكلام دون انقطاع .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١١٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١١٤٨