تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلأن كسب المال يحتاج إلى نظامٍ يضبِطه ، ولأن إنفاق المال يحتاج إلى نظامٍ يضبطه ، كانت التشريعات الماليَّة في الإسلام تأتي في الدرجة الأولى ، تسعة أعشار المعاصي متعلقة بكسب المال وإنفاقه ، لذلك ضبط حركة الإنسان من زاوية ماله شيءٌ مهمٌ جداً .." يا سعدُ أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة " .

( من مجمع الزوائد : عن " سعد بن أبي وقاص " )

أي اجعل كسبك حلالاً ، أيْ أخلص وأتقن واصدق ، وكن أميناً ومتقناً حتى تأخذ المال ـ الذي يعبِّر عن جهدك في الأرض ـ حلالاً ، فإذا اشتريت به طعاماً وأطعمته لأولادك كان هذا الطعام طَيِّباً .. " أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة " ..

الآن يوجد في هذه الآية نهيٌ رائع جداً عن أكل أموال الناس بالباطل ، وهذا الكلام يقودنا إلى مفهومٍ عكسي ، أيْ أن أكل المال بالحق جائز ، كيف تأكل المال بالحق ؟ أنت تاجر ، اشتريت بضاعةً وبعتها بثمنٍ يزيد عن ثمن شرائها ـ وفق سعر السوق ـ ولم تكذب ، ولم تدلِّس ، ولم تغُش ، ولم تحتكِر ، ولم تستغل ، ولم تكن البضاعة محرَّمةً ، ولا طريقة التعامل محرمةً ، إذاً أنت أكلت مال الناس بالحق ، هو الربح .

أو أنّك بذلت جهدًا كبيرًا بتقديم صناعة ، أخذت مقابلها ثمناً ، لاشك أنك أخذت ثمناً يفوق على تكاليفها ، هذا الهامش الذي يفوق التكاليف ، أو يفوق رأس المال هو أكلٌ لمال الناس بالحق ، سمح الشرع به ، فلك أن تزرع الأرض ، وأن تبيع محصولك ، ولك أن تربي المواشي وأن تبيعها ، ولك أن تتاجر ، ولك أن تُصَنِّع ، ولك أن تأخذ ثمن خبرتك ؛ كالحرف اليدوية والمهنية ، والراقية كالطب والهندسة ، فكل شيءٍ تأخذه مقابل شيء هذا كسبٌ حلال ، سمَّاه العلماء " فقه المعاوضات " .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٠٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٠٩٣