تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالمال قيمة مُطْلقة لكل الأعمال البشريَّة ، أعمال في الزراعة ، فالفلاح يبيع محصوله بمال ، والتاجر يقدِّم خدماتٍ ، يشتري بضاعة ويبيعها ويأخذ جزءًا من المال كأجرٍ لهذا الجهد المتواصل ، والصانع يصنع بضاعةً ويبيعها ، يأخذ مقابل ماله وجهده وخبرته ، فالمال قيمةٌ تقيَّم بها الأعمال البشريَّة ، هذا المال قِوامُ الحياة ، فأنت تتقن شيئًا ومحتاج إلى مليون شيء ، هذا الذي أتقنته تأخذ عليه أجراً هو المال ، وحينما تحتاج إلى أشياء كثيرة تنفق من هذا المال الذي أخذته مقابل جهدك ، فتشتري طعاماً ، وشراباً ، ولباساً ، وتُعالج ابنك عند طبيب ، وتضع ابنك في مدرسة ... إلخ .

فالمال جعله الله قِوام الحياة ، وأودع فينا محبَّته ، قال تعالى : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ

( سورة آل عمران : من آية " 14 " )

فمن جملة الشهوات التي أودِعت في الإنسان حبُّ للمال ، الإنسان في الأصل خُلق لجنة عرضها السماوات والأرض ، ولابدَّ من دفع ثمنٍ لهذه الجنة ، الثمن هو عملٌ في الدنيا ، من أجل أن يعمل الإنسان أُودِعَتْ فيه الشهوات ، لِتحرَّك ، من خلال هذه الحركة يقيَّم عمله ، من أجل أن يصح التعامل بين البشر قُيِّم العمل في الدنيا بمال ، هذا المال جزء كبير من قِوام الحياة ، فإذا أُخْذَ بالباطل أو أُنفق بالباطل فسدت الأرض بأكملها ، وإذا أُخذ بحقٍ وأُنفق بحقٍ أُعْمِرَت الأرض ، وأكاد أقول أن كل ما تعاني منه البشرية ؛ من حروب ، من اجتياحات ، من اختلاسات للثروات ، من هيمنة ، من سيطرة كل ذلك أساسه المال ، أساسه أن يأخذ الإنسان مالاً وفيراً يستمتع عن طريقه بالشهوات التي أُودِعَتْ فيه ، فالمال مادة الشهوات .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٠٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٠٩٢