تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لاحظ لو أنك مدير مؤسسة ، وطلبت موظفاً ، واشترطت عليه أن هناك ستة أشهر تجريب ، فكلما أخطأ سَجَّلت عليه خطأه ، فلما انتهت هذه المدة ، ورأيت أخطاءه كثيرة ، طردته من العمل بحسب العقد ، أنت محل تجريب ، لو كان هذا الموظف ابنك فماذا تفعل ؟ كلما أخطأ تنبِّهه ، فإن أصرَّ تعاقبه ، من أجل أن تصلحه ، من أجل أن يبقى عندك ، ويرقى ، فالرحيم يعاقب ، أما غير الرحيم فلا يعاقِب ، ويتخلى مباشرةً .

والآن الفرق بين مدير مؤسسة ، مدير مستشفى ، مدير مدرسة، وأب معلم رحيم ، فالرحيم يؤدب ويعاقب حتى يصلح ، حتى يسعد هذا الذي يصلحه ، أما غير الرحيم يأخذه بذنبه ولا يلتفت إليه ، ولذلك فالأقوياء لا يُسْتَرْضَون ، لكن الله يسترضى .

إذاً أصل القصاص أن الله يحب عباده ، ولأنه يحب عباده إن انحرفوا أو أخطؤوا ويعاقبهم من أجل أن يدع عندهم خبرةً مؤلمةً كي لا يعيدوا هذا السلوك ، واسأل معظم المؤمنين ، أخطأ مرة فعاقبه الله ، هذا العقاب ردعه عن أن يعيد هذا الخطأ .

إنسان في عنده محل ، معمل ألبسة ، فإنسان رقيق الحال دخل إلى هذا المعمل ، وطلب عدة قِطَع لأولاده ، صاحب المعمل رأى في هذا البيع الإفرادي إهانةً له ، فهو يبيع بالجملة ، فامتنع عن بيعه استكباراً ، فأدَّبه الله بأن صرف عنه الناس أكثر من ثلاثين يوماً ، فقال لي صاحب المعمل : كاد الدَمُ أن يجف في عروقي ، وعرفت ذنبي أنني ترفعت عن بيع هذا المسكين ، فأدبني الله عز وجل .

فدائماً وأبداً الله عز وجل لا يتخلى عن المؤمن ، يؤدبه ، ويصلحه ، وقد يسوق له خبرات وعقابات مؤلمة ، وشدة الألم تتناسب مع حجم الذنب ، وكلما ازداد الذنب فداحةً كلما ازداد الألم إيقاعاً .

يا أيها الإخوة الكرام ... الآية تقول :

أي : يا من آمنتم بي خالقاً ورباً وإلهاً وموجوداً وواحداً وكاملاً ، ويا من آمنتم بمنهجي افعلوا كذا ، أو لا تفعلوا .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٠٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٠٣٤