تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنسان يقول لك أحياناً : توجد بالفاتحة أربع عشرة شدَّة ، إن لم تأتِ بها كلها فالصلاة باطلة. أنت حجَّرت واسعاً ، حمَّلت الإنسان ما لا يطيق، حملته على أن يزهد في صلاته ، حملته على أن يترك الصلاة إذا قلت له : لابدَّ من أربع عشرة شدة يجب أن تأتي بها ، إن أتيت بها هذا أكمل شيء طبعاً ، لكن لا تكفِّر الناس .

مرة دخل أخ إلى الجامع ، وقال : كل إنسان لا توجد على رأسه "طاقيَّة" فصلاته باطلة . أنا كان على رأسي طاقيَّة والحمد لله ، هكذا بهذه البساطة ؟!

هذا الذي يجعل من الفرع أصلاً ، ومن الشيء الهامشي جوهراً ، ومن قضيةٍ فرعيةٍ جداً جذعاً ، هذا إنسان يحتاج إلى مزيد من الفقه ، بل إنه ظهر ما يسمى بفقه الأولويات ..

" ... فإن هم أطاعوك بذلك ، أقنعتهم أنه لا إله إلا الله ـ يا معاذ لأهل اليمن ـ وأن محمداً رسول الله ، فإن هم أجابوك لذلك فأبلغهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات ، فإن أجابوك إلى ذلك فقل لهم أمر الصيام، ثم أمر الزكاة ، ثم أمر الحج " .

هكذا .

إنني أريد ما يعانيه المسلمون اليوم من مشكلاتٍ خطيرة أساسها التمسك حتى القتال ، أو حتى الخصومة الفاجرة ، أو حتى الصدام لأجل قضايا هامشية جداً وفرعية لا تقدم ولا تؤخر، ثم إهمال جوهر الدين .

فمثلاً : هذا الذي يحرص كي يقبل الحجر على أن يدفع رجلاً ، ويركل رجلاً ، ويدفع صدر رجلٍ ، ويزيح رجلاً ، آذى سبعة أشخاص إيذاء شديداً ليقبِّل الحجر الأسود ، هل هذا فقيه ؟ لا والله ، والله هناك من يأتيه أذى لا يوصف من إنسانٍ في أثناء الحج ، وفي مكان تقبيل الحجر الأسود ، هذا الذي يضحي بفرائض من أجل سنن لا يملك فقه الأولويات ، نحن بحاجةٍ إلى أن نعرف أصل الدين ، وجوهر الدين ، وأركان الدين ، والقصد العام من الدين ، وأن نعرف الأساسيات ، والحاجيَّات ، والتحسينات ، والكماليات ، والتزيينات ، هكذا ..

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٠٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٠٠٥