على الجاهلين الذين كانوا يزعمون أن ملقديهم كانوا محيطين بالسنة لا يغيب عنهم منها
شيء. وقد ورد بمعنى هذا الأثر آثار أخرى. وفي المحاكم الآن ضرب عن
المشاورة.
(2) روى البيهقي عن ابن سيرين أنه قال: إن كان عمر بن الخطاب
ليستشير في الأمر حتى إن كان ليستشير المرأة فربما أبصر في قولها الشيء
يستحسنه فيأخذ به. وفي هذا الأثر من الفقه تكريم النساء ومشاركتهم للرجال في
الرأي حتى في الأمور العامة وهذا مما يرفع نفوسهن التي كانت قبل الإسلام
مهضومة. وما روي عنه من أنه قال: (خالفوا النساء فإن في خلافهن البركة) فمعناه لا تتبعوا أهواءهن على أن سنده ضعيف.
***
كتاب عمر في القضاء
(3) روى الدارقطني والبيهقي وابن عساكر عن أبي العوام البصري قال:
كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري (أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة
متبعة فافهم إذا أدلي إليك [10] فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له. آس [11] بين الناس
في وجهك ومجلسك وقضائك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من
عدلك. البينة على المدعي واليمن على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا
صلحا أحل حراما أو حرم حلالا. ومن ادعى حقا غائبا أو بينة فأضرب له أمدا
ينتهي إليه، فإن بينه [12] أعطيته بحقه وإن أعجزه ذلك استحلت عليه القضية فإن
ذلك أبلغ في العذر وأجلى للعمى [13] ولا يمنعك قضاء قضيت فيه [14] اليوم فراجعت
فيه رأيك [15] وهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق [16] فإن الحق قديم لا يبطله [17]
شيء ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل [18] والمسلمون عدول بعضهم على
بعض [19] إلا مجربا عليه شهادة زور أو مجلودا في حد أو ظنينا في ولاء أو قرابة
[20] فإن الله تعالى تولى من العباد السرائر وستر عليهم الحدود إلا بالبينات والأيمان.
ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك [21] مما ليس في قرآن ولا سنة. ثم
قايس الأمور عند ذلك واعرف الأمثال [22] ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله
وأشبهها بالحق. وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس والتنكر عند
الخصومة أو الخصوم (شك أبو عبيد) فإن القضاء. في مواطن الحق مما يوجب
الله به الأجر ويحسن به الذكر [23] . فمن خلصت نيته [24] في الحق، ولو على نفسه
كفاه الله ما بينه وبين الناس ومن تزين لهم بما ليس في نفسه شانه الله [25] فإن الله
تعالى لا يقبل من العباد إلا من كان خالصا، فما ظنك بثواب عند الله [26] في عاجل
رزقه وخزائن رحمته. والسلام عليك ورحمة الله) [27]
قال ابن القيم بعدما أورد هذا الكتاب في إعلام الموقعين: (وهذا كتاب جليل
تلقاه العلماء بالقبول وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوج
شيء إليه وإلى تأمله والتفقه فيه) ثم شرحه شرحا مطولا، وقد اعتمد في نصه هنا
على نسخة إعلام الموقعين؛ لأننا رأيناها أصح وذكرنا ما وجدناه من الاختلاف بينه
وبين (كنز العمال) في الهامش وليس فيه شيء جوهري.
-----------------
<span class="footnote">
(1) رواه أبو داود والترمذي والدارمي.
(2) رواه البخاري ومسلم وكذا الحاكم والدارقطني وأحمد بألفاظ أخرى.
(3) رواه الطبراني ورواه البيهقي بلفظ آخر بمعناه من حديث ابن عباس وضعفوه ورواه البزار بلفظ آخر وفي سنده متهم.
(4) رواه أحمد والبخاري في التاريخ والدورقي وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر وابن منصور.
(5) رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن الأربعة.
(6) رواه أحمد ومسلم.
(7) رواه الترمذي.
(8) رواه مسلم والترمذي وصححه.
(9) قرأ نافع وابن عامر ويعقوب وأبو بكر (بينات) والباقون (بينة) .
(10) أدلي إليك أي تخوصم إليك، وقال ابن القيم أي ما توصل به إليك الكلام الذي تحكم به بين الخصوم، وفي نسخة كنز العمال (إذا أدى إليك) ولعلها تحريف.
(11) في نسخة كنز العمال (آس) والمعنى ساو بينهم.