تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عند كل أحد، فالشارع لا يهمل مثل هذه البينة والدلالة ويضيع حقا يعلم كل أحد ظهوره وحجته. بل لما ظن هذا من ظنه ضيعوا طريق الحكم فضاع كثير من

الحقوق لتوقف ثبوتها عندهم على طريق معين وصار الظالم الفاجر ممكنا من ظلمه

وفجوره فيفعل ما يريد ويقول لا يقوم علي بذلك شاهدان اثنان. فضاعت حقوق

كثيرة لله ولعباده وحينئذ أخر الله أمر الحكم العام عن أيديهم وأدخل فيه من أمر

الإمارة والسياسة ما يحفظ به الحق تارة ويضيع به أخرى ويحصل به العدوان تارة

والعدل أخرى، ولو عرف ما جاء به الرسول على وجهه؛ لكان فيه تمام المصلحة

المغنية عن التفريط والعدوان.

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى نصاب الشهادة في القرآن في خمسة مواضع

فذكر نصاب شهادة الزنا أربعة في سورة النساء وسورة النور، وأما في غير الزنا

فذكر شهادة الرجلين والرجل والمرأتين في الأموال فقال في آية الدين {واستشهدوا

شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} (البقرة: 282) فهذا

في الحمل والوثيقة التي يحفظ بها صاحب المال حقه لا في طريق الحكم وما يحكم

به الحاكم فإن هذا شيء وهذا شيء. وأمر في الرجعة بشاهدين عدلين وأمر في

الشهادة على الوصية في السفر باستشهاد عدلين من المسلمين أو آخرين من غيرهم،

وغير المؤمنين: هم الكبار، والآية صريحة في قبول شهادة الكافرين على وصية

(المسلم) في السفر عند عدم الشاهدين المسلمين وقد حكم به النبي صلى الله عليه

وسلم والصحابة بعده ولم يجئ بعدها ما ينسخها فإن المائدة من آخر القرآن نزولا

وليس فيها منسوخ وليس لهذه الآية معارض ألبتة، ولا يصح أن يكون المراد بقول:

(من غيركم) من غير قبيلتكم فإن الله سبحانه خاطب بها المؤمنين كافة بقوله: {يا

أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل

منكم أو آخران من غيركم} (المائدة: 106) ولم يخاطب بذلك قبيلة معينة

حتى يكون قوله: (من غيركم) أيتها القبيلة. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يفهم هذا

من الآية، بل إنما فهم منها ما هي صريحة فيه، وكذلك أصحابه من بعده.

(وهو سبحانه ذكر ما يحفظ به الحقوق من الشهود ولم يذكر أن الحكام لا

يحكمون إلا بذلك. فليس في القرآن نفي الحكم بشاهد ويمين ولا بالنكول ولا

باليمين المردودة ولا بأيمان القسامة ولا بأيمان اللعان وغير ذلك مما يبين الحق

ويظهره ويدل عليه) . اه المراد منه، وذكر بعده ما اتفقوا عليه من الشهادات وما

اختلفوا فيه.

***

(آثار السلف عبرة للخلف)

قضاء الخليفتين

(1) روى الدارمي والبيهقي عن ميمون بن مهران أنه قال: (كان أبو بكر

إذا ورد عليه خصم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به بينهم،

وإن لم يجد في كتاب الله نظر هل كانت من النبي صلى الله عليه وسلم فيه سنة فإن

علمها قضى بها، فإن لم يعلم خرج فسأل المسلمين فقال أتانى كذا وكذا فنظرت في

كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجد في ذلك شيئا فهل

تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك بقضاء؟ فربما قام إليه الرهط

فقالوا نعم قضى فيه بكذا وكذا؛ فيأخذ بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول

عند ذلك: الحمد الله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا. وإن أعياه ذلك دعا رءوس

المسلمين وعلماءهم فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على الأمر قضى به. وأن عمر

ابن الخطاب كان يفعل ذلك فإن أعياه أن يجد في القرآن أو السنة شيئا دعا رءوس

المسلمين وعلماءهم واستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى بينهم) وإنما كان

يرجع إلى أقضية أبي بكر؛ لأنها مبنية على ما ذكر فربما ذكرته بدليل كان عنه

ذاهلا. ولينظر في سؤال مثل أبي بكر رضي الله عنه عن قضاء رسول الله صلى

الله تعالى عليه وآله وسلم، وكون الصحابة كانوا يخبرونه بما لا يعرفه منها فإنه حجة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٨٣