أنفسهم بالبعد عنه على رؤيتهم إياه مهينا ذليلا.
كأني بسائل يقول: لماذا اتخذت هذه العادة وهي تقييد أفكارك ومذكراتك كل
يوم بحسب المصادفة والاتفاق؟ فأجيبه: إن هذا مطوي أيام معيشتي في السجن أنشره
للناس، لأني لما لم يكن لي فيه أنيس أطارحه الحديث كنت أكتب كأني أراسل
نفسي. اه
***
الشذرة الثانية
تعليم المسميات قبل الأسماء
لم تخلف طريقتها في تربية (أميل) أملا من آمالي فلتبق على ما هي بسبيله
من تهذيبه وتثقيفه بما تقدمه له من الأسى وبما توحيه إلى نفسه من الثقة بها، على
أننا من عهد أن أنعم الله علينا باللقاء رأينا من المفيد أن نقسم العمل بيننا؛ لأن
التعليم - إن لم أكن غاليا في حكمي - هو من وظائف الوالد غالبا، وأما التربية
فإنها من أعمال الوالدة، وإن أردت أن تعلم أين نحن من قيام كل بعمله فأقول:
لما يدرس (أميل) شيئا درسا منتظما فهو إنما لقف دروسه الأولى في علم
التاريخ الطبيعي متفرقة على نحو من الاتفاق وذلك بمعاينة ما كان يجده كل يوم
على شاطئ البحر من أنواع المحار والصدف. ثم إنني أمكنه من النظر بالمنظار
المعظم (الميكرسكوب) وهو آلة شائعة الاستعمال جدا عندنا محركا أجزاءه
بنفسي فيكبر له بعض عجائب المخلوقات غير المتناهية في الصغر وأريه بالمرقب
(التليسكوب) وهو آلة أرصد بها النجوم ليلا عجائب المخلوقات غير المتناهية في
الكبر.
وقد ملأنا إناء من الزجاج بالماء المالح ووضعنا فيه حيوانات هلامية
وحيوانات قشرية وأسماكا وكنا نجدد ماءه كل ثمانية أيام، ومنه تلقى (أميل) كل ما
عرفه فيما أرى من علم حياة الحيوانات التي تعيش في جوف البحر. وفي بعض
الأحيان أكرر بمشهد منه بعض تجارب سهلة جدا في الكيمياء والطبيعة وهو على
جهله باسمي هذين العلمين يدرك بعض الإدراك تأثير بعض الأجسام الفطرية في
بعض. ورآني يوما أضع مقاييس للحرارة والهواء، ومع كونها لم تكن من الإتقان
في شيء بدا لي منه أنه أدرك استعمالها في الجملة؛ لأني رأيته يريد محاكاتها.
جميع ما تقدم هو كتب تعليمنا حتى الآن.
لا بد أن أكون أنا و (أميل) تابعين في التعليم لمذهب أرسطاليس؛ لأن أغلب
درسنا يحصل في وقت التنزه، فإني أدع لأمور الكون وحوادثه تنبيه ذهنه غير
متعرض لها بشرح ولا تفسير إلا أن يكون إجابة عما يوجه إلي من الأسئلة مجتهدا
في أن يكون الشرح واضحا والبيان وافيا. وقد عرفت من محاورته أن الوسيلة إلى
إصغائه إلي هي تتبع سلسلة أفكاره عند محادثته، وإن كثيرا ممن يأخذون على أنفسهم
تعليم الأطفال ليبالغون لهم في البيان ويفرطون في الشرح كما لو كانوا في حاجة إلى
أن يثبتوا بذلك لأنفسهم أنهم على معارف واسعة وعلوم جمة.
أنا لا أعلم (أميل) شيئا بل إني أتعلم معه فعوضا عن كوني أعلمه طريقتي في
النظر أجتهد في معرفة طريقته وتمييزها وما لا يميل إلى معرفته بحال أجهله مثله أو
أتجاهله. نعم إن هذه الطريقة ليس من شأنها أن تعلي قدر الأستاذ في نظر تلميذه،
وأنه لا بد في اتباعها من تنزه العقل عن الغرض وتنازله عن بعض شهواته، ولكن
ما هو متبع الآن من نقش صيغ العلوم وقوانينها وقضاياها في أذهان الأطفال ليس هو
إلا كرقم الألفاظ على الرمل.
ملكة البحث عند الطفل هي كغيرها من الملكات تنمو بالاعتياد والمراس، فإن
الشوق إلى معرفة الأشياء يتولد في الإنسان ولا يولد معه وإنما يكتسب ذوق الملاحظة
الاستقلالية بالملاحظة نفسها. إن لي أن أعين تنبه (أميل) والتفاته بأن أريه ما لا
يراه في الأشياء لأول نظرة إليها غير أنه في هذه الحالة يجب أن يكون هو مصدر
الميل إلى ذلك أيضا، وأن يكون صدور هذا الميل منه فطريا. ثم إن الأطفال في
الجملة مدفوعون جدا بسائق الطبع إلى الإكثار من السؤال، فرأيي أن التعجيل لهم
بالجواب قبل السؤال وتجاوز حدود ما يطلبون معرفته مما تخبو به نار هذا