تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بالخرافات والعقل المستنير لا يجتمعان في دماغ واحد. (مرحى)

ثم إن تبعة هذا التقصير وإن كانت تلحق علماء الأمة المتقدمين إلا أن علماءنا

المتأخرين أكثر قصورا؛ لأنهم في زمان ظهرت فيه فوائد هذه العلوم ولم يحصل

فيهم ميل لاقتباسها بل نراهم مقتصرين على تدريس فنون اللغة والفقه فقط أو

بعلاوة شيء من المنطق إتماما للعقائد وشيء من الحساب إكمالا للفرائض

والمواريث قلما يفيد.

وكذلك نرى وعاظنا مقتصرين على البحث في النوافل والقربات المزيدة في

الدين ورواية الحكايات الإسرائيليات، ومثلهم المرشدون أهل الطرائق فهم

مقتصرون على حكايات نوادر الزهاد من صحيح وموضوع ورواية كرامات الأنجاب

والنقباء والأبدال وعلى ضبط وزن التمايل وأصول الإنشاد. ولا ننسى خطباءنا

واقتصارهم على تكرار عبارات في النعت والدعاء للغزاة والمجاهدين وتعداد

فضائل العبادات والشهور والمواسم، والحاصل أن تقصيرات العلماء الأقدمين

واقتصارات المتأخرين وتباعد المسلمين إلى الآن عن العلوم النافعة الحيوية أحط من

كثير من الأمم، ولا شك أنه إذا تمادى تباعدهم هذا خمسين عاما آخرين تبعد النسبة

بينهم وبين جيرانهم كبعدها ما بين الإنسان وباقي أنواع الحيوانات فبناء

عليه يكون ناموس الارتقاء هو المسبب لهذا الفتور كما قال تعالى: {قل هل

يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} (الزمر: 9) .

فأجابه الكامل الإسكندري: إن هذا سبب من الأسباب ولا يكفي وحده لحل

الإشكال؛ لأن فقد العلوم الحكمية والطبيعية لا يصلح سببا لفقد الإحساس الملي

والأخلاق العالية؛ لأنها توجد في أعرق الأمم جهالة، وإنما سبب فتور حياتنا الأدبية

هو يأسنا من المباراة وذلك أننا كنا علماء راشدين وكان جيراننا متأخرين عنا فغرنا

البقاء فنمنا واجتهدوا فلحقونا , ولبثنا نياما فاجتازوا وسبقونا، وتركونا وراء، وطال

نومنا فبعد الشوط حتى صار ما بعد ورائنا وراء، فصغرت نفوسنا وفترت همتنا

وضعف إحساسنا فيئسنا من اللحاق والمجاورة، وخرجنا من ميدان المنافسة

والمباراة وألسنتنا تفيض بقوله تعالى: {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من

محيص} (إبراهيم: 21) فعدنا إلى كهف النوم مستسلمين للقضاء , نطلب الفرج

بمجرد التمني والدعاء ذاهلين على أن الله تعالى جلت حكمته رتب هذه الحياة لدنيا

على أسباب ظاهرية ولم يشأ أن يجعلها كالآخرة عالم أقدار، فهذا اليأس هو سبب

الفتور فنسأل الله تعالى اللطف في المقدور.

أجابه العارف التاتاري: أن هذه شكاية حال ولا تفي بالجواب؛ لأنه ما

السبب في أن هذا النوم غشي المسلمين ولم يزل يغشاهم دون كثير غيرهم من الأمم

التي انتبهت وسارت ولحقت ظعن الأحياء، وما المسلمون بالأبعدين المتقطعين

كأهل الصين ولا هم بالمتوحشين العريقين كأهل أمريكا الأصليين.

ثم قال: أنا أرى أن عارضنا فقدنا السراة والهداة فلا أمير عام حازم مطاع

ليسوق الأمة طوعا أو كرها إلى الرشاد، ولا حكيم معترف له بالمزيد والإخلاص

لتنقاد إليه الأمراء والناس، ولا تربية متحدة المقصد ينتج منها رأي عام، لا يطرقه

تخاذل وانقسام، ولا جمعيات منتظمة تسعى بالخير، وتتابع السير، ولذلك حل فينا

الفتور وإلى الله ترجع الأمور.

أجابه الفقية الأفغاني: إن ما وصفته من أمير وحكيم لا يوجدان في الأمم

المنحطة إلا اتفاقا، وأما الرأي العام والجمعيات فلا يفقدان إلا بسبب فقد الإحساس

وهذا ما نتساءل عنه. وذكر أن الداء العام فيما يراه هو الفقر الآخذ بالزمام؛ لأن

الفقر قائد كل شرور ورائد كل نحس فمنه جهلنا ومنه فساد أخلاقنا بل منه تشتت آرائنا

حتى في ديننا، ومنه فقد إحساسنا ومنه كل ما نحن فيه , أو نتوقع أننا سنوافيه: فهذه

فطرتنا لا ننقص فيها عن غيرنا وعددنا كثير وبلادنا متواصلة وأرضنا خصبة

ومعادننا غنية وشرعنا قويم وفخارنا قديم فلا ينقصنا عن الأمم الحية غير القوة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٧١