إلى التصوف كما يلجأ فاقد المجد إلى الكبر، وكما يلجأ قليل المال إلى زينة اللباس
والأثاث (مرحى) .
فصار هؤلاء المتعالمون يدلسون على المسلمين بتأويل القرآن بما لا يحتمله
محكم لفظه الكريم، فيفسرون البسملة أو الباء منها مثلا بسفر كبير تفسيرا مملوءا
بلغط لا معنى له، أو تحكم لا برهان عليه، ثم جاءوا الأمة بوراثة أسرار ادعوها
وعلوم لدنيات ابتدعوها وتسنيم مقامات اخترعوها ووضع أحكام لفقوها وترتيب
قربات زخرفوها. وبالإمعان نجدهم قد جاءوا مصداقا لما ورد في الحديث الصحيح
(لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع - وفي رواية: حذو القذة بالقذة -
حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم قلنا: يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال هو
فمن؟) . وذلك أن هؤلاء المدلسين اقتبسوا ما هنالك كله أو جله عن أصحاب
التلمود وتفاسيرهم ومن المجامع المسكونية ومقراتها ومن البابوية ووراثة السر ومن
مضاهاة مقامات البطارقة والكردينالية والشهداء وأسقفية كل بلد ومطاهر القديسين
وعجائبهم والدعاة المبشرين وصبرهم، والرهبنات ورؤسائها وحالة الأديرة
وبادريتها، والرهبنة أي التظاهر بالفقر ورسومها والحمية وتوفيتها ورجال الكهنوت
ومراتبهم وتميزهم في ألبستهم وشعورهم ومن مراسم الكنائس وزينتها، والبيع
واحتفالاتها والترنحات ووزنها والترنمات وأصولها، وإقامة الكنائس على القبور
وشد الرحال لزيارتها والإسراج عليها والخضوع لديها وتعليق الآمال بسكانها.
وأخذوا التبرك بالآثار كالقدح والحربة والدستار من احترام الذخيرة وقدسية
العكاز، وكذلك إمرار اليد على الصدر عند ذكر بعض الصالحين من إمرارها
على الصدر لإشارة التصليب، وانتزعوا الحقيقة من السر، ووحدة الوجود من
الحلول، والخلافة من الرسم، والسقيا من تناول القربان، والمولد من الميلاد، وحفلته من الأعياد، ورفع الأعلام من حمل الصلبان، وتعليق ألواح الأسماء
المصدرة بالندامة على الجدران من تعليق الصور والتماثيل، والاستفاضة والمراقبة
من التوجه بالقلوب انحناء أمام الأصنام، ومنع الاستهداء من نصوص الكتاب
والسنة من حظر الكهنة الكاثوليك قراءة الإنجيل على غيرهم، وسد اليهود باب
الأخذ من التوارة وتمسكهم بالتلمود إلى غير ذلك مما جاء به المدلسون تقليدا لهؤلاء
شبرا شبرا واقتفاء لأثرهم بالدخول حيث دخلوا جحرا جحرا. وهكذا إذا تتبعنا
البدع الطارئة نجد أكثرها مقتبسا وقليلها مخترعا.
وقد فعل المدلسون ذلك سحرا لعقول الجهلاء، واختلابا لقلوب الضعفاء كالنساء
وذوي الأهواء والأمراض القلبية أو العصبية من العامة والأمراء السلسي القياد طبعا
إلى الشرك؛ لأن التعبد رغبة أو رهبة لما بين أيديهم وتحت أنظارهم أقرب إلى
مداركهم من عبادة إله ليس بجوهر ولا عرض وليس كمثله شيء، ولأن التعبد باللهو
واللعب أهون على النفس والطبع من القيام بتكليفات الشرع كما وصف الله تعالى
عبادة مشركي الرب فقال: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية﴾ (الأنفال: 35) أي: صفيرا وتصفيقا وهؤلاء جعلوا عبادة الله تصفيقا وشهيقا
وخلاعة ونعيقا (مرحى) .
والحاصل أنه بذلك وأمثاله نجح المدلسون فيما يقصدون، ولا سيما بدعوى فئة
منهم الكرامة على الله والتصرف بالمقادير وباستمالتهم العامة بالزهد الكاذب والورع
الباطل والتقشف الشيطاني وبتزيينهم لهم رسوما تميل إليها النفوس الضعيفة الخاملة
سموها آداب السلوك ما أنزل الله بها من سلطان ولا عمل بها صحابي ولا تابعي،
ظاهرها أدب وباطنها تشريع وشرك، وبجذبهم البله الجاهلين لتصعيب الدين من
طريق العلم والعمل بظاهر الشرع، وتهوينه كل التهوين من طريق الاعتقاد بهم
وبأصحاب القبور.
وقد تجاسروا على وضع أحاديث مكذوبة أشاعوها في مؤلفاتهم حتى التبس
أمرها على كثير من العلماء المخلصين من المتقدمين والمتأخرين مع أنها لا أصل