تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ (النساء: 59) مع الغفلة عن

المراد بكلمة (أولي) وما تقتضيه صيغة الجمع وما يقتضيه قيد منكم. والثانية قوله

تعالى: ﴿وجاهدوا في سبيل الله﴾ (البقرة: 218) مع إغفال بيان الجهاد المأمور

به؛ هل هو ما يكون به إعزاز كلمة الله أم ما تؤيد به سلطة الأمراء العاملين على

الإطلاق؟ فإهمال الاهتمام بالدين قد جر المسلمين إلى ما هم عليه حتى خلت قلوبهم

من الدين بالكلية، ولم يبق له عندهم أثر إلا على رءوس الألسن لا سيما عند بعض

الأمراء الأعاجم الذين ظواهر أحوالهم وبواطنها تحكم عليهم بأنهم لا يتراءون بالدين

إلا لقصد تمكين سلطتهم على البسطاء من الأمة، كما أن ظواهر عقائدهم وبواطنها

تحكم عليهم بأنهم مشركون ولو شركا خفيا من حيث لا يشعرون.

فإذا أضيف إلى شرهم هذا ما هم عليه من الظلم والجور يحكم عليهم الشرع

والعقل بأن ملوك الأجانب أفضل منهم وأولى بحكم المسلمين لأنهم أقرب إلى العدل

وإقامة المصالح العامة وأقدر على عمارة البلاد وترقية العباد، وهذه هي حكمة الله في

نزع الملك من أكثرهم كما يقتضيه مفهوم {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها

مصلحون} (هود: 117) [1] . وقد افتخر النبي عليه السلام بأنه ولد في زمن

كسرى أنوشروان عابد الواكب [2] فقال: (ولدت في زمن الملك العادل) [3]

وحكى ابن طباطبا في (الآداب السلطانية والدول الإسلامية) أنه لما فتح

السلطان هلاكو (وهو مجوسي) بغداد سنة (656) أمر أن يستفتى علماؤها: أي

الرجلين أفضل السلطان الكافر العادل أم السلطان المسلم الجائر؟ فاجتمع العلماء

في المستنصرية لذلك، فلما وقفوا على الفتيا أحجموا عن الجواب حيث كان رضي

الدين علي بن طاووس حاضرا وكان مقدما محترما فتناول الفتيا ووضع خطه

فيها بتفضيل العادل الكافر على المسلم الظالم فوضع العلماء خطوطهم بعده.

ثم قال: إني أظن أن السبب الأعظم لمحنتنا هو انحلال الرابطة الدينية؛ لأن

مبنى ديننا على أن الولاء فيه لعامة المسلمين، فلا يختص بحفظ الرابطة والمسيطرة

على الشؤون العمومية رؤساء دين سوى الإمام إن وجد وإلا فالأمر يبقى فوضى بين

الجميع، وإذا صار الأمر فوضى بين الكل فبالطبع تختل الجامعة الدينية وتنحل

الرابطة السياسية كما هو الواقع. ومن أين لنا حكيم (كبسمرك) أو ملزم

(كغاريبالدي) يوفق بين أمرائنا أو يلزمهم بجمع كلمتنا. وقد زاد على ذلك فقدنا

الرابطة الجنسية أيضا، فإن المسلمين في غير جزيرة العرب لفيف أخلاط دخلاء،

وبقايا أقوام شتى لا تجمعهم جامعة غير التوجه إلى هذه الكعبة المعظمة.

ومن المقرر المعروف أنه لولا رءوساء الدين في سائر الملل وروابطهم

المنتظمة المطردة أو من يقوم مقام الرؤساء من الدعاة أو مديري ومعلمي المدارس

الجامعة المتحدة المبادئ لضاعت الأديان وتشعب أخلاق الأمم ونالهم ما نالنا من

كون كل فرد منا أصبح أمة في ذاته.

أجابه (المحقق المدني) إن فقد الرابطة الدينية والوحدة الخلقية لا يكفيان أن

يكونا سببا للفتور العام بل لابد لذلك من سبب أعم وأهم. ثم قال: أما أنا فالذي

يجول في فكري أن الطامة هي من تشويش الدين والدنيا على العامة بسبب العلماء

المدلسين وغلاة المتصوفين الذين استولوا على الدين فضيعوه وضيعوا أهله. وذلك

أن الدين إنما يعرف بالعلم، والعلم يعرف بالعلماء العاملين، وأعمال العلماء قيامهم

في الأمة مقام الأنبياء في الهداية إلى خير الدنيا والآخرة. ولا شك أن لمثل هذا

المقام في الأمة شرفا باذخا يتعاظم على نسبة الهمم في تحمل عنائه والقيام بأعبائه.

فبعض ضعيفي العلم وفاقدي الدم تطلعوا إلى هذه المنزلة التي هي فوق طاقتهم،

وحسدوا أهلها المتعالين عنهم، فتحيلوا للمزاحمة والظهور في مظهر العلماء العظماء

بالإغراب في الدين , وسلوك مسلك الزاهدين. ومن العادة أن يلجأ ضعيف العلم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٥١