تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لها في كتب الحديث المعتبرة. وجلبوا الناس بالترهيب والترغيب، أما الترغيب:

فبالاستفادة من الدخول في الرابطات والعصبيات المنعقدة بين أشياعهم. وأما

الترهيب: فبتهديدهم مناوئيهم أو مسيئي الظن بهم بإضرارهم في أنفسهم وأولادهم

أموالهم ضررا يتعجلهم في دنياهم قبل آخرتهم. (مرحى)

وقد قام لهؤلاء المدلسين أسواق في بغداد ومصر والشام وتلمسان قديما،

ولكن لا كسوقها القائم في القسطنطينية منذ أربعة قرون إلى الآن حتى صارت فيها

هذه الأوهام السحرية والخزعبلات كأنها هي دين معظم أهلها، لا الإسلام، وكأنهم لما

ورثوا عن الروم الملك حرصوا على أن يرثوا طبائعهم أصلا حتى التوسع في هذه

المصارع السيئة، فاقتبس لهم المدلسون كثيرا مما طبقوه على الدين، وإن كان الدين

يأباه، وزينه لهم الشيطان بأنه من دقائق الدين، ومن هذه العواصم سرى ذلك إلى

الآفاق بالعدوى من الأمراء إلى العلماء الأغبياء إلى العوام.

فهؤلاء المدلسون قد نالوا بسحرهم [4] نفوذا عظيما، به أفسدوا كثيرا في الدين

وبه جعلوا كثيرا من المدارس تكايا للبطالين؛ الذين يشهدون لهم زورا بالكرامات

المرهبة وبه حولوا كثيرا من الجوامع مجامع للطبالين الذين ترتد من دوي طبولهم

قلوب المتوهيمن، وتكفهر أعصابهم فيتلبسهم نوع من الخيل يظنونه حالة من الخشوع

وبه جعلوا زكاة الأمة ووصاياها رزقا لهم وبه جعلوا ربع أوقاف الملوك والأمراء

عطايا لأتباعهم مما نسمي في البلاد العثمانية (دعا كوا وطعامية) (مرحى) .

وبذلك ضاق على العلماء الخناق لا رزق ولا حرمة وكفى بذلك مضيعا للعلم

وللدين؛ لأنه قد التبس على العامة علماء الدين بالفقراء الأدلاء من هؤلاء

المدلسين الأغنياء الأعزاء، فتشوشت عقائدهم وضعف يقينهم فضيع الأكثرون

حدود الله وتجاوزوها، وفقدوا قوة قوانين الله ففسدت أيضا دنياهم واعتراهم هذا

الفتور.

أجاب (المولى الرومي) إن كل الديانات معرضة بالتمادي لأنواع من

التشويش والفساد، ولكن لا تفقد من أهلها حكماء ذوي نشاط وعزم ينبهون الناس

ويرفعون الالتباس، أو يعوضون قواعد الدين إذا كان أصلها واهيا (لا متينا كقواعد

الإسلام) بقوانين موضوعة تقوم بنظام دنياهم ويتحملون في سبيل ذلك ما يتحملون

من المشاق خدمة لأفكارهم السامية، ويبذلون ما عز وهان حفظا لشرفهم القائم بشرف

قومهم، بل حفاظا لحياتهم وحياة قومهم من أن يصبحوا أمواتا متحركين في أيدي

أقوام آخرين. ولقد أثبت الحكماء المدققون بعد البحث الطويل العميق أن المنشأ

الأصلي لكل فساد في أخلاق العباد، والمنبت الأول لكل شقاء في بني حواء هو أمر

واحد لا ثاني له؛ ألا وهو وجود السلطة القانونية منحلة ولو قليلا لفسادها، أو لغلبة

سلطة شخصية عليها من فرد أو أكثر، فما بال الزمان يضن علينا برجال ينبهون

الناس، ويرفعون الالتباس، يفتكرون بحزم، ويعلمون بعزم، ولا ينفكون. حتى

ينالوا ما يقصدون، فينالوا حمدا كثيرا، وفخرا كبيرا، وأجرا عظيما؟ وعندي أن

داءنا الدفين دخول ديننا تحت ولاية العلماء الرسميين وبعبارة أخرى تحت ولاية

الجهال المتعممين.

وهنا نبه السيد الفراتي الأستاذ الرئيس إلى قرب وقت الانصراف؛ عندئذ

جهز (الأستاذ الرئيس) بشعار (لا نعبد إلا الله) تنبيها للإخوان وقال لهم إن أخانا

المولى الرومي لفارس مغوار نحب ما عودنا من التفصيل والإشباع، والآن قد آن

وقت الظهر وحان أن نتفرق لندرك الصلاة وموعدنا غدا إن شاء الله تعالى.

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(1) الظلم هنا الشرك.

(2) يظن أن اتخاذ الشمس إلى الآن شارة للملك في إيران وكذلك اتخاذ الهلال والنجم شارة للملك عند الترك هو من بقايا دياناتهم الأولى.

(3) الحديث موضوع باطل وإن استشهد به بعض العلماء الأعلام ومنهم حجة الإسلام.

(4) السحر لغة إخراج الباطل في صورة الحق بالتمويه والخداع، والسحر الذي جاء في الشرع ليس غير هذا بدليل وصفه تعالى لعمل سحرة فرعون في قوله جلت حكمته: [قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم] (الأعراف: 116) وقوله: [فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى] (طه: 66) .</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٥٣