(بثمراتهم تعرفونهم) وحيث استمسكنا بهذا الأصل فلنا أن نجهر بأن المعتقدين بالدين
المسيحي في هذه الأوقات ليسوا بمنزلة يفضلون بها على المسلمين.
هذا الحق ننادي به ونحن على يقين منه ونحث الذين يقولون إنا نصارى. على
أن يضعوا الإسلام في منزلة تنطبق على الواقع ونفس الأمر، فإن استطاعوا أن
يدحضوا حجتنا بالبراهين الساطعة فليعملوا على مكانتهم، وإن لم يفعلوا ولن يفعلوا
فليكن نظرهم إلى الإسلام على حد ما بينا مناسبا للحقيقة الواقعية، ولينصفوا الإسلام
ذلك الدين القيم الذي هو نظام لمعيشة قسم عظيم من أمم كريمة كثيرة العدد من النوع
البشري.
مما يهم الشعب الإنكليزي خاصة أن يتخلصوا من أطوار التعصب التي لا
تنحصر آثارها في إلحاق العار بهم فقط بل تتعدى إلى جلب المضرة عليهم أيضا؛ لأن
لحضرة الملكة ملايين من رعاياها كلهم مسلمون ونحن في مقام على أحد جانبيه
دولة الروسية، وعلى الجانب الآخر الدولة العثمانية ولا يمكننا أن نزعم عدم المبالاة
بعقابيل الحروب التي قامت على سوقها بين هاتين الدولتين من أمد بعيد، وإلى الآن
لم تضع أوزارها وضعا حقيقيا. إن الدولة الروس لا يمكنها أن تكون في حرب
مستمرة، لكنها لا تراعي ما تكلف به من شروط السلام ولا يزال وكلاؤها الخفيون
مشتغلين بالعمل (كذا) وما من زمان إلا والحذر فيه من الروسية ضروري للباب
العالي وهذا مجموع أحوال توجب على دولة الإنكليز أن تسأل نفسها آنا بعد آن: هل لنا أن نقاوم الروسية أو ندعها وشأنها؟
كل وجه من وجوه السياسة يتعلق بسلامة الدولة الإنكليزية وبقائها، يرشدنا
إلى الاعتراف بلزوم عقد معاهدة مع الدولة التي لم تضرنا قط، وفتحت فرصها
لتجارتنا، وأبواب بلادها لأشغالنا، أما الصيحة الفارغة بأن الروسية دولة نصرانية،
والدولة العثمانية دولة محمدية فقد كان لها إلى الآن أسوأ الأثر في إعماء عقولنا
وخطلنا في سياستنا، فلنأخذ من الآن بأصل صحيح وهو أن نعلق الحكم بالأعمال لا
بالعقائد، فإنه ليس خاصا بالأفراد، بل كما يكون بها يكون بالأقوام والدول أيضا،
فإن قابلنا بين روسيتنا النصرانية وبين العثمانية المحمدية لم يشك في أن المعاهدة
مع العثمانية هي التي تظهر أفضليتها عند الحاكمين بالحق أجمعين، وإذا ذكرنا
المعاهدة العثمانية فلا نستعمل اللفظ فيها بمعناه السياسي أو تركيبه الديبلوماسي، ولا
ينبغي أن يفهم ذلك من كلامنا، إنما المعاهدة التي كنا نجتهد في إعدادها لسنين طويلة
كانت معاهدة مبنية على شروط مساواة مؤسسة على الاحترام من الجانبين، وظهر لنا
في الأزمان الماضية أن إكمال مثل تلك المعاهدة من المحال. أما الآن فلا نقول: إنها
من قبيل الممكن الذاتي فقط بل صارت من قبيل ما بالقوة القريبة من الفعل.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
تتمة الاجتماع الثاني
لجمعية أم القرى
الداء
أو: الفتور العام
أجابه (المرشد الفاسي) إننا كنا على عهد السلف الصالح وشريعتنا سمحة
واضحة المسالك معروفة الواجبات والمناهي، فكان الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر وظيفة لكل مسلم ومسلمة، وكنا في بساطة من العيش متفرغين لذلك، ثم شغلنا
شأن التوسع فخصصنا لذلك محتسبين ثم دخل في ديننا أقوام ذوو بأس ونفاق أقاموا
الاكتساب مكان الاحتساب، وحصروا اهتمامهم في الجباية وآلتها التي هي الجندية
فقط؛ فبطل الاحتساب وبطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طبعا، فهذا يصلح
أن يكون سببا من جملة الأسباب، ولكنه لا يكفي وحده لإيراث ما نحن فيه من الفتور.
على أن انحصار همة الأمراء الدخلاء في الجباية والجندية أدى بهم إلى
إهمال الدين كليا ولولا أن في القرآن آيتين اثنتين لهجروه ظهريا إحداهما قوله تعالى: