ينبوع العدالة الإسلامية التي يستوي فيها الخليفة مع أدنى السوقة من غير المسلمين
في الحقوق؟ نعم، إنها كانت في أشد الحاجة إليه؛ ولذلك انتشر نور الإسلام بسرعة
البرق.
وقال صاحب برهان البيان: ولما كان الرومانيون متعودين على التلاعب
بالطبيعة البشرية في أولادهم وأرقائهم كما يعلم ذلك بالوقوف على قوانين الرومانيين
المتعلقة بحكم الآباء والأمهات على أولادهم كان لا يمكنهم غالبا معرفة ما نسميه
إنسانية وهي فضيلة الرفق.. .. وإذا كانت عادة الملة الجبر والقسوة في الحالة
الداخلية الملكية، فكيف ينتظر منها الرفق والعدالة الطبيعية، وكثيرا ما يطلع
القارئ في تاريخ القياصرة على قتل أناس كثيرين لقصد مجرد ضبط أموالهم للدولة،
ثم قال: ومن نظر في مرآة تاريخ الرومانيين رأى فيها صور الأشياء البشرية
فيجد في هذا التاريخ كثيرا من الحروب الواقعة والدماء المسفوكة والأمم المدمرة
والوقائع الجسيمة، والنصرات العظيمة، والتدابير الجمة، والحكمة البالغة،
والاحتراس والثبات والشجاعة. ويجد فيه أيضا تصميم النية على التغلب على كل
شيء، وأنه حصل كما ينبغي واستمر وانتهى كذلك، وأنه لم يترتب عليه إلا إسعاد
خمسة رجال أو ستة من الأشرار:
نقول: فهل كانت مثل هذه المدنية محتاجة إلى ينبوع العدالة الإسلامية
لإصلاحها وإحياء النفوس التي أماتها الظلم والجبروت؟ نعم، كانت في أشد الحاجة
إلى هذا الإصلاح؛ ولذلك قبلت الإسلام بسهولة. ونسكت الآن عن الكلام في فساد
أخلاق الرومانيين وتهتكهم في الخلاعة والفسق وانغماسهم في الترف والملاذ، وفساد
أخلاقهم الشخصية فقد أوغلوا في ذلك إيغالا مدهشا يثبت أن أرواحهم ماتت وكانت
محتاجة للإحياء. وهنا يخطر في بال القارئ أن النصرانية هي التي سبقت
لإصلاح نفوسهم وإحياء مدنيتهم التي أماتها الظلم والفسق، ونقول: إن النصرانية
مهدت بعض التمهيد للإسلام، ولكنها لم تكن محيية بل كانت مجهزة على تلك المدنية
كما أشرنا إلى ذلك في مسألة مدنية اليونان.
* * *
تأثير النصرانية في المدنية الرومانية
جاء في تاريخ القرون المتوسطة أن النصرانية لم تكد تنتشر وتقوى في بلاد
اليونان والرومان، ومنها بلاد مصر حتى رأى رؤساؤها وجوب هدم الهياكل وكسر
التماثيل ومحو الصور اليونانية والرومانية؛ لأنها آثار الوثنية فقاموا لهذا الواجب
حتى محوا آثار صناعة البناء والفنون الجميلة أو كادوا ولولا أن بعضهم رأى تحويل
بعض الهياكل إلى كنائس لما بقي لتلك الأمم أثر في الوجود. وقد أصدر تاودسيوس
أمرا رسميا بهدم الهياكل وتكسير الصور سنة 390 للميلاد. ثم رأوا أن في علوم
تلك الأمم خطرا على النصرانية فطفقوا يحرقونها في كل مكان فقد أحرقت مكتبة
الإسكندرية بأمر تاودسيوس سنة 390 للميلاد وأحرقت مكتبة أوكتوغونه في
القسطنطينية سنة 476 للميلاد، وحملت الحمية الدينية لاون اللوزرياني على
تحريق ما بقي من الكتب سنة 730، وكان في هيكل أبولون بلاتين بمدنية رومية
مكتبة فيها أنفس كتب الآداب من عهد أغسطوس فكانت غيرة البابا أغرغاوار وتقواه
عاملتين على إحراقها وحرمان الناس من تلك الوديعة التي جعلها العالم وارون في
حماية إله الشعر وكنفه. (على اعتقادهم) .
والأمر الذي لا خلاف فيه هو أن انحطاط الأمة الرومانية كان مقارنا لانتشار
النصرانية فيها. فالوثنيون الرومانيون كانوا يقولون: إنها هي السبب في ذلك
الانحطاط والنصارى يقولون: إن ذلك كان لأسباب سابقة ولكن، لماذا أجهزوا على
تلك المدنية ولم يصلحوها وينقوها من أوضارها بدلا من محوها وطمس معالمها؟
وماذا أبقى النصارى للعرب؟ ما أبقوا لهم إلا نزرا من الكتب أحيوها به.
أما تمهيد النصرانية للإسلام الذي أشرنا إليه فهو إضعاف تلك الوثنية
وإضعاف تلك الحمية الجاهلية، وذلك السرف في الترف بالغلو في الزهادة