من أرباب الأديان بمحو شائبة الاعتقاد بأي أثر من آثار المادة، وصرف النفوس عن
التوجه إلى تلك الآثار بالحس لتتوجه إلى واجب الوجود بالضمائر، والاكتفاء
باستحضار هيبة جلاله في القلب، وتمكين الاعتقاد بأن الأثر الواقع تحت الحس إنما
يقوم قوامه بالمؤثر المستحضر في الضمير الخارج عن الحس؛ إذ بغير هذا لا يقوم
للتوحيد أثر متين في النفس ينجي من مزلة القدم إلى الوثنية المفضية إلى الشرك
المؤدي إلى الجحود، وإنما الإنسان مادة، وهذه أعراض منها تنمو وتعظم في النفس
ما دامت النفس مستشعرة بشيء من وجوب التعظيم لغير الله تعالى والتوجه لأي أثر من آثار المادة وساء منقلب الظالمين.
هذا هو التوحيد الذي جاء به الإسلام ودعا إليه النبي محمد عليه الصلاة
والسلام، وإنما اضطربت العقول وساءت الأوهام لتفاوت الأفهام، وتباين
مراتب المسلمين في العلم بحقيقة الدين والإحاطة بأسراره، والوقوف على جميع
مقاصده حتى على عهد الرسالة، وإليك الدليل:
أخرج الإمام أبو الفرج ابن الجوزي في سيرته العمرية عن المعرور بن سويد قال: خرجنا مع عمر بن الخطاب في حجة حجها قال: فقرأ بنا في الفجر
﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل﴾ (الفيل: 1) و ﴿لإيلاف قريش﴾ (قريش: 1) فلما انصرف رأى الناس مسجدا فبادروه فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا
مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: هكذا أهلك أهل الكتاب
قبلكم اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا، من عرضت له فيه صلاة فليصل، ومن لم
تعرض له صلاة فليمض.
فلو كان أولئك المصلون يومئذ في مرتبة عمر في العلم، واستشعروا من إقبالهم
على ذلك المسجد للصلاة فيه تعظيما له كما استشعر به عمر رضي الله عنه وعنهم
أجمعين لما بادروا للصلاة فيه إلا إذا عرضت لهم صلاة. ولا جرم أن أعظم الناس
فهما للإسلام وعلما بغوامض الدين ووقوفا على مقاصد النبوة المحمدية وما كانت
تدعو إليه من التوحيد البحت الخالي عن كل شائبة من الشوائب التي مر ذكرها -
هم أهل السابقة من المهاجرين الأولين الذين تلقوا الدين أنجما كان ينزل بها الوحي
على رسول الله صلى الله عليه وسلم من لدن البعثة، ولازموا الرسول ملازمة الظل،
فاكتنهوا سر، شريعته وأدركوا مرامي غرضه، وقلدوه في أعماله وأقواله، وانتهجوا
منهجه واهتدوا بسيرته، فتفوقوا على غيرهم في العلم بالدين وعرفوا حقيقة التوحيد.
ومن هؤلاء من هم في المرتبة الأولى في فهم مقاصد الإسلام، ومنهم عمر
ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ومن تتبع سيرته وأمعن النظر في أقواله وأفعاله
وانطباقها على الكتاب الكريم ونهج السنة القويم، علم ما هو التوحيد الذي أرشد إليه
الإسلام وعرفه أولئك الصحابة الكرام، فأرادوا أن يمحوا به كل أثر من آثار الوثنية
عن صفحات الضمائر والقلوب. وحسب العاقل دليلا على هذا قول عمر ابن
الخطاب رضي الله عنه لكعب الأحبار لما أشار عليه بجعل المصلى إلى الصخرة:
(لقد ضاهيت اليهودية يا كعب. إلى قوله: اذهب إليك [2] فإنا لم نؤمر بالصخرة
ولكنا أمرنا بالكعبة) وقد مر الخبر في الفصل السابق نقلا عن الطبري، ولأجله
عقدنا هذا الفصل ليكون به عبرة وذكرى لقوم يعقلون.
تقدم معنا كيف تدرج العرب إلى الوثنية حتى أنسوا بلمس الأحجار، وعكفوا
على عبادة الأصنام، وأن أصول التوحيد عند أرباب الأديان كلها أفسدت تدريجا كما
حصل في دين العرب. وإنما كان مبدأ هذا التدريج الاستسلام للشعور بوجوب تعظيم
مظهر من مظاهر المادة يظن أن له صلة بما فوق المادة كالعابد مثلا، ثم يأخذ هذا
الشعور ينمو ويتعدى المظهر الأول إلى غيره، ويتدرج في أطوار التعبد له حتى
تنقلب صورة التوحيد المرتسمة على صفحات الضمائر إلى صورة من صور المادة
مجسمة للحس، ويستحيل الإيمان بإله واحد فوق المادة إلى آلهة شتى كلها من المادة