تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المسلمين لا يقبلون ذلك؛ لأن أئمتهم عرفوا الدين بأنه وضع إلهي سائق لذوي

العقول السليمة باختيارهم إلى ما فيه صلاحهم في الحال، وفلاحهم في المآل.

(5) يقول الناصح الأمين، أو المشكك في الدين: إن الجمع بين السلطتين

يضعف الأمة ضعفا مستمرا؛ لأنه يقتضي اضطهاد العقل والذكاء ويعرض الحكومة

لثورة الأمة بإغراء عدو يثيرها عليها، ويكون سبب الشقاق الديني بين الطوائف التي

تتألف منها الشعوب ويعرض الدين لأكاذيب السياسة ومفاسدها، ونحن نقول: إن كل

هذا قد وقع في دينه فلا ننكره وإنما ننكر قياس ديننا عليه وهو مباين له، وحسبنا

أن الذي وقع عندنا هو نقيض ما وقع عندهم فإن الحكومة الإسلامية التي يسميها

جمعا بين السلطتين (وقد فهمت معناها) قد أعطت الأمة قوة لم يقاوها فيها أحد في

زمنها، وما ضعفت الأمة الإسلامية إلا بضعف الشرع وعدم إقامته وهذا أمر لا

خلاف فيه.

وكذلك لم يضطهد العقل والذكاء في الإسلام في عصر إقامة شريعة الإسلام

وإنما وقع شبه اضطهاد بعد ضعف الشرع والتهاون في تنفيذه، أما الثورات

التي يخافها الناصح على الحكومات الإسلامية إذا بقيت على شريعتها فهي أجدر

بالوقوع إذا خرجت الحكومات عن الشريعة؛ لأن الخروج على السلطان لا يجوز

في الإسلام إلا إذا خرج السلطان من الإسلام بترك الشريعة وإذا أخطأ فالواجب أن

ترجعه الأمة عن خطئه بالمعروف: قال صاحب عقيدة الجوهرة:

وواجب نصب إمام عدل ... بالشرع فاعلم لا بحكم العقل

فليس ركنا يعتقد في الدين ... فلا شذ عن حكمه المبين

إلا بكفر فانبذن عهده ... فالله يكفينا أذاه وحده

وأما الشقاق الديني بين الطوائف والملل فلم يعهد في بلاد الإسلام أيام إقامة

الشريعة والعمل بها بل كانت الطوائف في هدون وسلام؛ لأن الدين يوجب ذلك

وكان معمولا به، والذي يوجب الشقاق هو جعل الدين مصلحة لرؤساء مخصوصين

يناهض كل رئيس بطائفته سائر الطوائف فهو ألصق بالفصل بين السلطتين وجعل

كل واحدة مستقلة لها رؤساء يديرونها منه بالجمع بينهما خصوصا جمع الإسلام

بالمعنى المتقدم.

وقد ذاقت الأمة النصرانية بأس هذه الرياسة وكانت هي التي

ابتدعت الحرب بين طائفتين من أهل دين واحد للخلاف في الدين، ولو لم يكن لكل

طائفة رؤساء مخصوصون لما وقع شيء من ذلك، وقد سرت عدوى النصرانية إلى

غيرها وأصاب المسلمين شرر تلك النيران فحدث بين أصحاب المذاهب شيء من

الشقاق لتعصب كل طائفة لإمام مخصوص وعلماء مخصوصين، وقد علمت أن

رجال الدين لم تنتظم لهم في المسلمين رياسة لأن طبيعة الإسلام تأبى ذلك ولهذا لم

يعظم النفور والشقاق بين أصحاب المذاهب الإسلامية كما عظم بين أرباب

المذاهب النصرانية على أن المذاهب المتعددة في الدين هي مخالفة لوضع

الدين؛ لأنها تفرق فيه والله يقول: ﴿أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾ (الشورى:

13) ويقول: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء﴾ (الأنعام

: 159) ولكن جاءنا من كتاب النصارى في هذا العصر من يقول: إن التفرق إلى

شيع من طبيعة ديننا ولا علاج لهذا إلا ترك حكامنا لشريعتنا! ! !

وأما تعريض الدين لأكاذيب السياسة ومفاسدها إذا كانت الشريعة مستمدة من

الدين فهو نقيض المعقول وخلاف الواقع فإن السياسة كما قال الكاتب مبنية على

الرياء والمخاتلة ولا علاج للرياء إلا الدين، وقد شدد فيه الإسلام حتى سماه

(الشرك الأصغر) فإذا بنيت السياسة على قاعدة الدين سلمت وسلم معها الدين،

وإذا انفصلت من الدين فسدت وأفسدت الدين ولذلك استعاذ منها الإمام كاتب مقالات

(الإسلام والنصرانية) بما استعاذ ووصفها بما وصف، وقد قلب الحقيقة الناصح

أو المشكك فجعل انفصال الحكومة من الدين هو سبب السلامة! ! !

* * *

(الوحدة الدينية، والوطنية)

يقول الناصح الأمين، أو المشكك في الدين: إن الوحدة الدينية التي يطلبها

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٣٠