تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أحد وإنما يتبعهم من شاء باختياره ولم يسلموا مع ذلك من رمي الفقهاء لهم

بالانحراف عن الدين ومن تفريق الحكام شملهم، ولذلك لم يكن لهم ظهور إلا حيث

يضعف علم الدين وحكمه كما قلنا آنفا، وأما لقب (شيخ الإسلام) فهو من اختراع

الملوك والأمراء الذين بعدوا عن المظهر الديني فاستعانوا بمن له هذا المظهر لأجل

التأثير في نفوس العامة المقلدين.

نعم إن السلطة الدينية وجدت على حقيقتها في طائفة الباطنية، ثم وجدت لهذه

الفكرة حكومة مدنية في العبيديين (الفاطميين) ولكن مذهب الباطنية ليس من

الإسلام في شيء ولذلك لم يستطع العبيديون أن يؤيدوه بسلطتهم تأييدا ظاهرا فيقال:

إن السلطة الدينية قد اجتمعت مع السلطة المدنية في طائفة تنتمي إلى الإسلام في

الجملة، فعلم مما تقدم أنه ليس في الإسلام سلطة دينية فما هذا الذي يعيب الإسلام

به بعض كتاب النصارى وما هذه النصائح التي توجهها تلك الأقلام إلى الأمة

الإسلامية لتقنعها بوجوب الفصل بين السلطتين الدينية والمدنية؟ الجواب: أن

المراد بذلك أن يترك المسلمون شريعتهم كما يعلم من الفصل الآتي.

* * *

(الشريعة والدين في الإسلام)

جرى عرف الكتاب الأوربيين ومن تبعهم من الشرقيين لا سيما كتاب

النصارى بأن يطلقوا اسم الدين على ما يتعلق بالاعتقاد بالله وبالوحي وما يعد به من

أمور الغيب وما يفرضه من العبادة ويخصوا كلمة الشريعة بما يتعلق بالمعاملات

والأحكام القضائية والمدنية والسياسية، وكل باحث في التاريخ من هؤلاء الكتاب

يعلم أن الإسلام جاء بدين وشريعة ومن ذلك قول بعضهم: إن محمدا (عليه الصلاة

والسلام) كون في عشرين سنة أمة وجاءها بدين وشريعة ولم يتفق لغيره في العالم

الجمع بين هذه الأمور الثلاثة: فهؤلاء يعلمون أن الشريعة قسيمة الدين في الإسلام

وأن ما يدين به المسلم ربه وما يعامل به الناس كله مقتبس من نور واحد وهو نور

الوحي الذي أوحاه الله إلى محمد عليه الصلاة والسلام.

لا فرق في الإسلام بين القسم الديني البحت والقسم الشرعي إلا في شيء واحد

وهو أن الاعتقاد والعبادة لما كانا لا يختلفان باختلاف الزمان والمكان وأحوال الأمم

وجب الاعتماد فيهما على الوحي في الجملة والتفصيل والكليات والجزئيات، وأما

المعاملات الدنيوية فلاختلافها باختلاف ما ذكر قد وضع الإسلام لها قواعد كلية

وأصولا عامة وفوض استنباط الجزئيات التي تحدث إلى أولي الأمر العارفين

بمقاصد الإسلام وبأصوله العامة وقواعده الكلية فهم يبينون الأحكام بالشورى في كل

ما يحدث للناس من المصالح استنباطا من تلك الأصول والقواعد، قال تعالى:

﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ (النساء:

59) فذكر أولي الأمر بصيغة الجمع، وقال: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي

الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} (النساء: 83) ذكر أولي الأمر بصيغة

الجمع أيضا وأناط بهم استنباط الحكم الذي يحتاج إليه أو يتنازع فيه.

ثم إن الأحكام الشرعية المنصوصة أو المستنبطة تحتاج إلى منفذين ولا بد أن

يكون لهؤلاء رئيس لئلا تكون الأمور فوضى، وقد سمي الرئيس الأول في الإسلام

بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم خليفة له، وسمي من بعده أمير المؤمنين

واستمر هذا اللقب.

ووظيفة هذا الرئيس حماية الدين وتنفيذ أحكام شريعته فليس هو مسيطرا على

الناس في دينهم ولا مستقلا بوضع الأحكام الشرعية لهم وإنما هو حافظ للنظام ومنفذ

للأحكام، وسلطته هذه كما نرى شورية لا مطلقة ولا استبدادية، ولكن الإسلام أوجب

عليه أن يعمل بالشرع وحرم عليه أن يكون شارعا بنفسه وأوجب طاعته بالمعروف،

كما أوجب على الأمة إزالة سلطانه إن حملها على غير المشروع؛ فصح بهذا الاعتبار

أن يقال: إن السلطة المدنية في الإسلام مستندة إلى الدين أو إنها سلطة دينية،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٢٨