ضروب الإيذاء وما تبلوهم به من العقوبات والنكبات السياسية ولا جرم، فإنهم في
قبضة ماهر، والذنب عليهم في أنهم لم يعرفوا من قبل أن لهم واليا يقوم عليهم
وأستاذا يرشدهم.
ولما لم يكن هذا هو الفلاح الذي أرجوه (لأميل) وكان الذي يعنيني من أمره
قبل كل شيء إنما هو حفظ كرامته وشرفه من حيث هو إنسان كان نصيب هذه
الطريقة مني محض الإعجاب بها دون أن أرضاها لتربيته.
***
الشذرة الحادية عشرة
في المؤلفات المفيدة للناشئين واختيارها
أجد في نفسي انبعاثا كثيرا إلى اعتقاد أنه لا شيء أضر على كتاب الأقدمين
وأدعى إلى هجر مؤلفاتهم من إطراء المعلمين إياهم واعتيادهم الإعجاب بما كتبوا،
ذلك أن هؤلاء بإلزامهم الطفل حفظ ما يختارونه له من هذه المؤلفات وإرشادهم إياه
إلى ما يجب عليه أن يراه فيها من ضروب المحاسن خشية أن يقصر في احترام
آثار سلفه وإكراههم له على ملاحظة جميع ما فيها حتى علامات الفصل والوصل
بذلك كله لا يفلحون غالبا إلا في أن يكرهوها إليه وهي أحسن أعمال عقل الإنسان.
فالإفراط في الوقاية من جانب المعلم يصير سببا للضعف من جانب المعلم
وإفراط ذلك في إعجابه بما يعلمه يذهب بالحمية من نفس هذا فيما يتعلمه.
والمقصود من التعليم على أي حال إنما هو إنشاء القوة الحاكمة في نفس
الطفل، أنا في شك من بلوغ هذه الغاية بالجري على تلك الطريقة فإنه على فرض
وجود التلامذة الذين يكون فيهم من الامتثال ما يكفي لأن يروا الحسن فيما يمدح لهم
والقبح فيما يذم (وفي التلامذة من هم كذلك) لا تكون أذواقهم من أجل ذلك أسلم من
أذواق غيرهم ولا أكثر منها دربة بل إن هذا مما يدعو إلى سلبهم قوة تمييزهم
الأمور بأنفسهم؛ فتكون همتهم في مستقبلهم مصروفة إلى النظر في الأمور والحكم
عليها حكما مستقلا.
سأدع ابني وشأنه في انتقاء كتبه فلا أجتنب إلا ما يكون منها ضارا بالأخلاق
لأني أود أن يكون هو صاحب الخيار فيما يفضل في نظره من كتب الآداب فإذا
ضل ذوقه في الاختيار عولت في رده إلى الصراط السوي على ضروب نمو عقله
لا على ما يدعو إليه كدري من أنواع التوبيخ والتأنيب ومع كوني لا أضن عليه
بالإرشاد متى سألني إياه تجدني أقصد أن يلتمس في ما يطالعه تنمية أفكاره وتربية
ضروب وجدانه الذاتي.
نعم إني قد أشتهي أن أقدم له بعض كتب مخصوصة وأغتبط لو أنه اتفق معي
في التأثر بما فيها غير أني لا أجدني محقا في اقتضاء ذلك منه لأن الإعجاب
بالشيء من أجل أن يكون مفيدا لا بد أن يتصدر عن نفس المعجب ولأن الإنسان في
كل طور من أطوار حياته منفردا كان أو مجتمعا يتصور للحسن كمالا يطابق
بالضرورة بعض أحوال تتعلق بنفسه أو بوظائف أعضائه، يدلك على أننا لا نكاد
نعرف الآن ما قرأناه في عهد شبيبتنا من الكتب ولا مؤلفيها ولا نحس بشيء من
الميل إلى كتب الأدب التي طالعناها في ذلك الزمن، ولم يبق من الشعراء والكتاب
الذين كانوا أساتذة فيه بكتبهم من يصحبنا في شيخوختنا إلا النزر اليسير.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(*) معرب من كتاب أميل القرن التاسع عشر.
(1) راجع عدد 1 من تعليقات الشذرة التاسعة.
(2) هوارس شاعر لاتيني مشهور ولد سنة 67 ومات سنة 8 قبل المسيح.
(3) فرتوت هو أسقف مؤرخ من الفرنجة ولد سنة 1655 ومات سنة 1735 ق م وهو مؤلف كتاب الفتنة السويدية والفتنة الرومانية وتاريخ الأشراف الكرام والمؤرخ يلمح إلى واقعة لهذا المؤرخ وهي أنه كان يكتب تاريخا لحصار رودس وانتظر طويلا ورود أنباء صحيحة له عنه فلم تحضر فأتم تأريخه قبل ورودها ثم قال إنني متكدر من ذلك ولكن قد انتهيت من حصاري.
(4) البرزة المرأة الجليلة التي تظهر للناس ويختلف إليها القوم.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">