تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلوبهم، ويظهرون الرغبة في الإصلاح ويبطنون الإصرار والعناد على ما هم عليه

من إفساد دينهم ودنياهم وهدم مباني نجدهم وإذلال أنفسهم والمسلمين. وهذا داء عياء

لا يرجى منه الشفاء؛ لأنه داء الغرور لا يقر صاحبه لفاضل بفضيلة، ولا يجاري

حازما في مضمار، وقد سرى من الأمراء إلى العلماء ثم إلى سائر الطبقات.

فأجاب (المولى الرومي) إن إلقاء التبعة على الأمراء خاصة غير سديد؛

خصوصا لأن أمراءنا إن هم إلا لفيف منا، فهم أمثالنا من كل وجه، وقد قيل: كما

تكونوا يولى عليكم، فلو لم نكن نحن مرضى لم يكن أمراؤنا مدنفين.

وعندي أن البلية هي فقدنا الحرية، وما أدرانا ما الحرية؟ هي ما حرمنا معناه

حتى نسيناه، وحرم علينا لفظه حتى استوحشناه. وقد عرف الحرية من عرفها بأن

يكون الإنسان مختارا في قوله وفعله لا يعترضه مانع ظالم. ومن فروع الحرية

تساوي الحقوق ومحاسبة الحكام باعتبار أنهم وكلاء، وعدم الرهبة في المطالبة

بالحق وبذل النصيحة، ومنها حرية التعليم وحرية الخطابة والمطبوعات وحرية

المباحثات العلمية.

ومنها الأمن على الدين والأرواح والأمن على الشرف والأعراض والأمن على

العلم واستثماره، فالحرية هي روح الدين، وينسب إلى حسان بن ثابت الشاعر

الصحابي رضي الله عنه:

وما الدين إلا أن تقام شرائع ... وتؤمن سبل بيننا وهضاب

فلينظر كيف حصر هذا الصحابي الدين في إقامة الشرع والأمن. هذا، ولا

شك أن الحرية أعز شيء على الإنسان بعد حياته، وأن بفقدانها تفقد الآمال وتبطل

الأعمال وتموت النفوس وتتعطل الشرائع وتختل القوانين. وقد كان فينا راعي

الخرفان حرا لا يعرف للملك شأنا، يخاطب أمير المؤمنين بيا عمر ويا عثمان.

فصرنا ربما نقتل الطفل في حجر أمه ونلزمها السكوت فتسكت، ولا تجسر أن

تزعج سمعنا ببكائها عليه. وكان الجندي الفرد يؤمن جيش العدو فلا يخفر له عهد،

فصرنا نمنع الجيش العظيم من صلاة الجمعة والعيدين ونستهين بدينه، لا لحاجة غير

الفخفخة الباطلة (مرحى) .

فلمثل هذا الحال لا غرو أن تسأم الأمة حياتها فيستولي عليها الفتور، وقد

كرت القرون وتوالت البطون ونحن على ذلك عاكفون فتأصل فينا فقد الآمال،

وترك الأعمال، والبعد عن الجد والارتياح إلى الكسل والهزل، والانغماس في اللهو

تسكينا لآلام أسر النفس، والإخلاد إلى الخمول والتسفل طلبا لراحة الفكر المضغوط

عليه من كل جانب. إلى أن صرنا ننفر من كل الماديات والجديات حتى لا نطيق

مطالعة الكتب النافعة، ولا الإصغاء إلى النصيحة الواضحة؛ لأن ذلك يذكرنا

بمفقودنا العزيز فتتألم أرواحنا وتكاد تزهق إذا لم نلجأ إلى التناسي بالملهيات،

والخرافات المروحات، وهكذا ضعف إحساسنا وماتت غيرتنا، وصرنا نغضب

ونحقد على من يذكرنا بالواجبات التي تقتضيها الحياة الطيبة لعجزنا عن القيام بها

عجزا واقعيا لا طبيعيا.

هذا ونعترف بأن فينا بعض أقوام قد ألفوا من ألوف سنين الاستعباد والاستبداد

والذل والهوان فصار الانحطاط طبعا لهم تؤلمهم مفارقته، وهذا هو السبب في أن

السواد الأعظم من الهنود والمصريين والتونسيين صاروا بعد أن نالوا رغم أنوفهم

الأمن على الأنفس والأموال، والحرية في الآراء والأعمال. لا يرثون ولا

يتوجعون لحالة المسلمين في غير بلادهم بل ينظرون للناقمين على أمرائهم المسلمين

شزرا، وربما يعتبرون طالبي الإصلاح من المارقين من الدين.

كأن مجرد كون الأمير مسلما يغني عن كل شيء حتى عن العدل، وكأن طاعته

واجبة على المسلمين وإن كان يخرب بلادهم ويقتل أولادهم ويقودهم ليسلمهم

لحكومات أجنبية، كما جرى ذلك قبلا معهم. والحاصل أن فقدنا الحرية هو سبب

الفتور والتقاعس عن كل صعب وميسور.

أجاب (المجتهد التبريزي) : إن هذا الحال ليس بعام مع أن الفتور لم يزل

في ازدياد واستحكام فلا بد لذلك من سبب آخر.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٣