لا يتلبس بها إلا القليل النزر؟ كلا لا يعقل في هذا المقام إلا التعميم، وينتج من ذلك
أنه لا يصح اعتبار هذه الأصول الجبرية والتزهيدية سببا للفتور، بل هي سبب
لاعتدال النشاط وسيره سير انتظام ورسوخ.
وفي النظر إلى المشاق والعظائم التي اقتحمها الصحابة والخلفاء الراشدون
رضي الله عنهم لنيل الغنى والرياسة والفخار مع الأجر والثواب أقوى برهان مع أن
الأمة إذ ذاك كانت زاهدة فعلا لا كالزهد الذي ندعيه الآن كذبا ورياء
(مرحى) .
وإذا تتبعنا كل ما ورد في الإسلامية حاثا على الزهد نجده موجها إلى الترغيب
في الإيثار العام؛ أي: بتحويل المسلم ثمرة سعيه للمنفعة العمومية دون خصوص
نفسه، حتى إن كل ما ورد في الحث على الجهاد في سبيل الله مراد به سعي المؤمن
بكل الوسائل حتى ببذل حياته لإعزاز كلمة الله وإقامة دينه، لا في خصوصية محاربة
الكفار كما تتوهم العامة، كما أن المراد من محاربة الكفار هو من جهة: إعزاز
الجامعة الإسلامية، ومن أخرى: خدمة الجامعة الإنسانية من حيث إلجاء الكفار إلى
مشاركة المسلمين في سعادة الدارين؛ لأن للأمم المترقية علما ولاية طبيعية على
الأمم المنحطة؛ فيجب عليها إنسانية أن تهديها إلى الخير ولو كرها باسم الدين أو
السياسة.
ثم قال: أما أنا فيخيل إلي أن سبب الفتور هو تحويل نوع السياسة الإسلامية
حيث كانت نيابية اشتراكية؛ أي: (ديمقراطية) تماما، فصارت بعد الراشدين بسبب
تمادي المحاربات الداخلية ملكية مقيدة بقواعد الشرع الأساسية، ثم صارت أشبه
بالمطلقة. وقد نشأ هذا التحول من أن قواعد الشرع كانت في الأول غير مدونة ولا
محررة بسبب اشتغال الصحابة المؤسسين رضي الله عنهم بالفتوحات وتفرقهم في
البلاد، فظهر في أمر ضبطها خلافات ومباينات بين العلماء، وتحكمت فيها آراء
الدخلاء، فرجحوا الأخذ بما يلائم بقايا نزعاتهم الوثنية (وليتهم لم يدنسوا الإسلام
بالدخول فيه) فاتخذ العمال السياسيون -ولا سيما المتطرفون منهم- هذا التخالف في
الأحكام وسيلة للانتقام والاستقلال السياسي، فنشأ عن ذلك أن تفرقت المملكة
الإسلامية إلى طوائف متباينة مذهبا، متعادية سياسة، متكافحة على الدوام.
وهكذا خرج الدين من حضانة أهله وتفرقت كلمة الأمة فطمع بها أعداؤها
وصارت معرضة للمحاربات الداخلية والخارجية معا، لا تصادف سوى فترات قليلة
تترقى فيها العلوم والحضارة على حسبها , وقد أثر استمرار الأمة في هذه الحروب أن صارت باعتبار الأكثرية أمة جندية صنعة وأخلاقا، بعيدة عن الفنون والصنائع
والكسب بالوجوه الطبيعية، ثم بسبب فقدان القواد والمعدات لم يبق مجال للحروب
الرابحة فاقتصرت الأمة على المدافعات خصوصا منذ قرنين إلى الآن؛ أي: منذ
صارت الجندية عند غيرنا صنعة علمية مفقودة عندنا، فصرنا نستعمل بأسنا بيننا
فنعيش بالتغالب والاحتيال لا بالتعاون والتبادل، وهذا شأن يميت الانتباه والنشاط
ويولد الخمول والفتور (مرحي) .
فابتدر (الحكيم التونسي) وأجابه: إن غيرنا من الأقوام -كجرمانيا مثلا- وجدوا في حكومات مطلقة، وفي اختلافات مذهبية، وفي انقسامات إلى طوائف
سياسية، وفي حروب مستمرة، ولم يشملهم الفتور بوجه عام فلا بد للفتور في
المسلمين من سبب آخر.
ثم قال: وفيما أتصور أن بلاءنا من تأصل الجهل في غالب أمرائنا المترفين
الأخسرين أعمالا الذين ضلوا وأضلونا سواء السبيل وهم يحسبون أنهم يحسنون
صنعا، حتى بلغ جهل هؤلاء دركة أسفل من جهل العجماوات التي لها طبائع
ونواميس، فمنها التي تحمي ذمارها وتمنع عن حدودها وتدافع عما استحفظت عليه،
وهؤلاء ليس لهم طبائع ونواميس فيخربون بيوتهم بأيديهم وهم لا يشعرون، ومنهم
الذين ضلوا على علم وهم الذين يشكون ويبكون حتى يظن أنهم مغلوبون على أمرهم
ويتشدقون بالإصلاح السياسي مع أنهم - وايم الحق - يقولون بأفواههم ما ليس في