ثم قال: ويلوح لي أن انحطاطنا من أنفسنا؛ إذ أننا كنا خير أمة أخرجت للناس
نعبد الله وحده؛ أي: نخضع ونتذلل له فقط، ونطيع من أطاعه ما دام مطيعا له
نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، أمرنا شورى بيننا، نتعاون على البر والتقوى
ولا نتعاون على الإثم والعدوان. فتركنا ذلك كله ما صعب منه وما هان. وقد يظن أن
أصعب هذه الأمور النهي عن المنكر؛ مع أن إزالة المنكر في شرعنا تكون بالفعل فإن
لم يمكن فبالقول، فإن لم يكن فبالقلب، وهذه الدرجة الثالثة هي الإعراض عن الخائن
والفاسق والنفور منه وإبطان بغضه في الله.
ومن علائم ذلك تجنب مجاملته ومعاملته. ولا شك أن إقامة هذا الواجب الديني
كاف للردع ولا يتصور العجز عنه قط. قال تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم
ببعض لفسدت الأرض} (البقرة: 251) .
فهذا هو سبب استرسال الأمة في عبادة الأمراء والأهواء، والأوهام وفي طاعة
العصاة اختيارا وترك التناصح، والركون إلى الفساق، والإذعان للاستبداد،
والتخاذل في الخير والشر. قال تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون
بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} (آل عمران: 104) وعنه
صلى الله عليه وسلم [2] (لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليستعملن الله
عليكم شراركم فليسومونكم سوء العذاب) إلى غير ذلك من الآيات البينات
والأحاديث المنذرات القاضيات بالخذلان على تاركي الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، فهذا هو السبب الناشئ عنه الفتور.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) مرحى - كلمة تعجب يقولها العرب عند إصابة الرامي المرمى.
(2) المنار - لفظ الحديث (أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم) رواه البزار عن عمر والطبراني عن أبي هريرة وسندهما ضعيف 0 وللترمذي من حديث حذيفة نحوه إلا أنه قال: (أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم) وقال: حديث حسن.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">