تلقي كتاب بعده يقال له: (العيني) ، وهو كتاب بلغ به صاحبه حد النهاية من
الخطأ والغلط والتمحل في تزييف مذهب الإمام الشافعي واختراع الصورة الفقهية،
ولا يكاد يأتي الطالب على آخره وفي صدره شيء من جوهر العلم، اللهم إلا تلك
الصور الذهنية والمسائل الخيالية والمماحكات اللفظية، وحفظ أسماء أغلب من
اشتغلوا بهذا الفن لكثرة ما يرد من أسمائهم في صدد الخلاف. وإن تعجب فعجب
بل ألف عجب اتفاق أكثر جماعة الأزهر وجل مشايخه على استحسان هذا الكتاب
وامتداح كل من حذا حذوه في صناعة التأليف. وعندي أن ذلك كاف لبيان ما هم
عليه من الذكاء والنيل، وما وصلوا إليه من العلم والفضل. ويشتغل الطالب فيما
يقابل ذلك من النحو في الدور الثاني بثلاثة كتب: الأزهرية والقطر والشذور، أما
الأزهرية فكتاب سهل العبارة اقتصر من النحو على المبادئ إلا أنه مبتلى كإخوانه
بحاشية شط فيها مؤلفها في أغلب المواضع عما هو بصدده. وأما كتابا القطر
والشذور فكلاهما درة متلألئة بين أطمار بالية ألفهما ابن هشام رحمه الله، غاية في
حسن العبارة وانسجام الأسلوب، لم يترك قاعدة يحتاج إليها الطالب إلا أتى عليها
في هذين الكتابين. ولو اقتصر الأزهريون على قراءتهما متنا مجردا من الحواشي
والتقارير لحصل الطالب منهما على الغرض المقصود من النحو. ولكن الأمر على
عكس ذلك فقد وضع بعض الأشياخ على كل كتاب حاشية لم يقع طرفي حتى اليوم
على عبارة أبرد ولا أسمج من عبارتها، وقد سلك بها طريق التعسف والتعقيد حتى
صارت سجفا يحول بين الطالب وما توخى بيانه المؤلف رحمه الله. ومن غرائب
الاتفاق أن وقعت في يدي اليوم حاشية القطر فكانت أول جملة وقع طرفي عليها من
غير قصد ما كتبه صاحبها تعليقا على بيت أورده المؤلف وهو:
ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر
(قال المحشي) ألا: حرف استفتاح، واسلمي: فعل أمر، ومي: اسم امرأة،
والبلى مقصور مكسور، المراد به الاندراس والفناء. أي: اسلمي وإن كنت قد
بليت. ثم قال بعد كلام واعتراض على الشاعر: إنه لم يحترس لأن دوام المطر
يخرب الدار. وأجيب بأنه قدم الاحتراس في قوله اسلمي وبأن ما زال تقتضي
ملازمة الصفة للموصوف مذ كان قابلا لها على حسب قابليتها، ثم قال وقد ضمن
بعضهم هذا البيت حيث قال:
إليك اشتياقي يا كنافة زائد ... فما لي غناء عنك كلا ولا صبر
فلا زلت أكلي كل يوم وليلة ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر
(والكنافة) أشهى الحلوى للمصريين. هذا ما يشتغل به الطالب هناك في
مدة ست سنوات من النحو والفقه، وأقسم أيها الأخ أني لم أر حتى ساعتي هذه ممن
بلغ السنة السادسة وحضر تلك الكتب في النحو من يحسن أن يكتب سطرا واحدا أو
يقرأ جملتين بغير لحن وغلط، وأريد أن أختم هذه الرسالة الآن مقتصرا على ما
ذكرت، وفي الرسالة الآتية ترى البقية الباقية. والسلام عليكم ورحمة الله.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">