من عناء كل عمل.
فإذا ترجح عنده الأمر الثاني دفع به إلى الأزهر، وأخذ يجري
عليه من النفقة ما يقطعه من قوت يومه الضروري. لذلك لا تكاد تجد في المائة
واحدا من الطلبة من البيوتات الشريفة التي يعمل أهلوها لمستقبل شريف كالقضاء
والإفتاء. فأنت إذا سرت في ساحة تلك المدرسة فإنما تشق أجساما تنبو عن
رؤيتها النفس وهم مختلفون متبعثرون ليس لهم نظام ولا ترتيب، ويغلب أن يكون
سن الطالب عند اندراجه في سلك الأزهريين ما بين الخامسة عشرة إلى الثلاثين،
وقد كان امتحان الدخول في هذه المدرسة بسيطا قاصرا على معرفة القراءة والكتابة،
أما اليوم فهم يشترطون مع ذلك حفظ جميع القرآن للكفيف ونصفه لغيره.
ولأجل أن أتمكن من أن أبين لك أدوار الطالب هناك وأوقفك على قوته في
كل دور منها أقسمها إلى ثلاثة أدوار؛ كل دور ثلاث سنوات فيكون المجموع اثنتي
عشرة سنة، وهي أقل مدة أمكن بعض الطلبة نيل الشهادة فيها.
الدور الأول: يتقدم الطالب للانتظام في الأزهر وهو في السن الذي قدمت لك
فإن كان من الفلاحين (وهو الأغلب) رأى نفسه قد انتقل طفرة من بين رعاء
الشاء، إلى حلقات المدرسين ومجالس العلماء، وإن كان من البيوتات الكبيرة والأسر
الخاصة (وقليل ما هم) انتقل المسكين وثبة في يوم واحد من نعيم العيش وحسن
الحال إلى عيش الشظف والخشونة، وبدل في ساعة واحدة برؤية أهله وهم على ما
عهد من النظافة وجمال الهندام رؤية أولئك الذين ذكرت لك. وسواء كان الطالب
من العامة أو من الخاصة فإنه يتساوى مع غيره في الطلب وطرق التحصيل.
يدخل الطالب تلك المدرسة وهو لا يدري كيف يحضر، ولا ماذا يقرأ، ولا على
من يتلقى دروسه، ولا على أي وجه يسير فيها، ولا ما هي الكتب تشرى لذلك
الغرض من حيث لا ناظر له هناك ولا رقيب عليه يأمره بشراء كتاب معلوم
والاختلاف إلى درس مخصوص، بل يمكث هناك المسكين أياما يجول في أركان
الأزهر وهو على ما ذكرت من البساطة والسذاجة ويأخذ كل يوم في التطواف
بحلقات الدروس يتساءل من الطلبة المتقدمين عن كتاب يشتريه، ودرس ينتظم في
سلك طالبيه، حتى إذا تيسر له ذلك بعد الذي تقدم من الحيرة والتعب وضياع الوقت
وحضر أحد الدروس أخذ يقلب طرفه فيما بين يديه، ويحدد أذنيه لسماع ما يلقى
عليه، فلا ينظر إلا نقوشا لا مقدرة له إلا على النطق بها دون أن يعقل لها أقل
معنى. ولا تقع في أذنه إلا ألفاظ هي أشبه بالرطانة منها بما يتكلم به الناس، فيظل
سنته الأولى وهو يروح إلى الدروس كما يغدو إليها خاليا من الفائدة مجردا من فهم
أي شيء مما يتلوه عليه معلمه، اللهم إلا أن يحفظ بعض كلمات مثل: ضرب زيد،
وقتل بكر عمرا، وتأبط شرا، وقال رحمه الله تعالى، إلخ.. هذا مبلغ ما يصل
إليه الطالب من اختلافه إلى دروس النحو في سنته الأولى - وأريد قبل أن أسلك
بالكلام إلى دروس الفقه أن أقول: كنت أود أن أطلعك على جميع ما يشتغل به
الطالب من الكتب على المذاهب الأربعة إلا أني لا أرى في استقصائها كبير فائدة
بل الأحسن أن أفصل كتب مذهب واحد، واخترت أن يكون الحنفي لأنه الأشهر،
وإن لم يكن الأكثر، ثم أنت تقيس ما بقي من الكتب في المذاهب الأخرى عليه لما
بينهما من المشاكلة التامة في صناعة التأليف وأسلوب التحرير.
وما حصل عليه في سنته الأولى من النحو يحصل على ما يشاكله في الفقه،
وأول كتاب في النحو يسمونه الكفراوي وما يقابله من الفقه يسمى مراقي الفلاح.
أما الكفراوي فقد وضعه صاحبه شرحا لمتن صغير اسمه الآجرومية، مشوش
العبارة مختصرا جدا.
وأما مراقي الفلاح فهو كتاب يقتصر من الفقه على العبادات فقط وهو على
ذلك مجلد ضخم سلك به مؤلفه مسلك الإسهاب والإطناب. على أنه على ما به من
التطويل يعد أحسن كتاب في الفقه هناك. وقصارى القول أن الطالب يقطع شهور
سنته الأولى كلها ولا يعلق بذهنه ما يستحق أن أذكره لك. وإنما هي كليمات