توجه للزيارة قصدوا الزاوية مرادهم في هتك حرمها فوجدوا بها بعضا من الإخوان
وبعضا من العربان وبعضا من التوارق، والتقوا عند طلوع الشمس 26 رجب، ثم
انتشب بينهم الحرب من الصباح إلى الزوال، وقتل منهم جماعة وافرة وثلاثة من
كبارهم، والمقاتلون الذين بأيديهم السلاح ثمانية عشر رجلا لأن الناس متفرقة والكفار
أتوهم على حين غفلة لكن نصر الله المسلمين وهزم المشركين واستشهد فيها من
الإخوان أخونا سليمان ابن أخ سيدي البراني وأخونا عبد الرزاق فقيه الزاوية
وأخونا حسين بن الفضل. ومن المجابرة ثلاثة: أخونا أبو علي النمر وأخونا عبد
الله بن موسى وأخونا مهدي بن شعيب، واستشهد أيضا الشيخ غيث بن الشيخ عبد
الجليل وابن عمر المضبوه المغربي وبعض التوارق واثنان من جماعة السلطان
قورن كانا عند الأستاذ زائرين، وواحد قطروني وباعوا نفوسهم لله كما قال عز وجل:
﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ (التوبة:
111) ولما أتى الخبر إلى الأستاذ رضي الله عنه وجه سيدي البراني والحاج محمد
الثني ومعهم جيشا من المجابرة وذويه لقتال أعداء الله، ربنا ينصر المسلمين على
أعداء الدين. اه باختصار قليل جدا.
ومنه ومن أمثاله من الكتب (ومنها ما نشرناه في الجزء الثامن) يعلم القراء
أنه حصل شيء بين الفرنسيين والسنوسيين استمر قريبا من سنة ولا نعلم كيف
انتهى؛ لأن الأخبار الخصوصية انقطعت عنا من مدة طويلة وإننا نتوقع الخبر
اليقين عن قريب. ومما ذكرناه يعرف القراء أن السنوسيين مستعدون للدفاع عن
أنفسهم ولكنهم ليسوا أهل اعتداء فهم يمتثلون قوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله
الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} (البقرة: 190) وستكون
هذه الآية الكريمة هي منتهى المدنية في الحرب فإن بقي صاحب المقالة المنشورة
في الحاضرة في ريب بعد هذا فإننا نذكر له في جزء آخر شيئا من نفوذ السنوسيين
في واداي ونواحيها وتوليتهم للملوك وحلهم للمشكلات بينهم بذكر وقائع معينة
بالأسماء والجهات ليعلم أننا نتكلم عن بصيرة. وقد كنا قد ذكرنا ذلك الخبر لغرابته
بالنسبة إلى المصريين وليس من موضوع المنار التوسع في هذه المسائل؛ لأنها
أقرب إلى السياسة منها إلى التاريخ ولا غرض لنا بالسياسة.
أما العبرة التاريخية في ترجمة السنوسي فهي في شيئين: (أحدهما) اجتهاده
في الدين وعدم تقيده بمذهب من المذاهب، وقد مهد له والده رحمه الله تعالى السبيل
إلى ذلك بكيفية تعليمه وبما ترك له من مؤلفاته التي بين بها الحجج على وجوب
العمل بالكتاب والسنة، وعدم الرغبة عنهما إلى قول أي عالم أو إمام. وقد اطلعنا
على كتابه (بقية المقاصد. في خلاصة المراصد) وهو مختصر كتاب (المراصد)
وفيه القدر الكافي من الاحتجاج على وجوب العمل بالكتاب والسنة. و (ثانيهما)
تأليف عصبية كبيرة بسلطة الطريقة. ومما ننتقده على أصحاب هذه الطريقة أنهم
غلوا في شيخهم كسائر أهل الطريق مع شدة تمسكهم بالدين الذي ينهى عن الغلو
وأنهم يعتقدون أن شيخهم المترجم هو المهدي المنتظر، وهذا الاعتقاد يضر في
المستقبل عندما يتبين لهم كما تبين لغيرهم عقمه وإننا نرى عقلاءهم لا يعتقدون هذا
الاعتقاد ويقولون: إن شيخهم لا يرضاه، والله أعلم بمصير الأمور.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">