الحقوق والمصالح؟ إننا رأينا من خواص الفرنسيين من لا يرى هذه المساواة مطلقا
ويعيب مجانسه بحداثة التجنس.
(الفرنسي) : ذلك لأنهم مع التجنس وبعد أداء الخدمة العسكرية في الجيش
يعودون إلى عوائدهم كلبس الطربوش، وربما لبسوه عثمانيا وارتداء لباس البادية
والإقبال على الصلوات والأذكار! ! !
(التونسي) : لعلكم تقصدون بالتجنس ترك شعائر الدين وتغيير الأزياء ولو
شاطركم المتجنس في أعز الامتيازات الوطنية كمشاطرة اليهود لكم في الحقوق
والمصالح الحيوية بتغييراتهم الصورية، فهل المخلص لكم من يتزيا بأزيائكم مع العلم
بأن لبس الزنار لا يقتضي الترهب وهل تنطبق هذه الأفكار على حرية (التدين)
إن لم نقل ترك التدين؟ ألا يعد هذا لو صدر من مسلم من التعصب الذميم والتغالي
الممقوت في عرف مدنية هذا العصر الذي ضيقت الحكومة فيه على مدارس الرهبان؟
(الفرنسي) : إنما نقصد نحن امتلاك القلوب، ولذلك نود أن يتنازل لنا
المسلم عن أحكام دينه الذاتية كالأنكحة والمواريث مما هو مصداق الحالة الشخصية.
(التونسي) : إذا كان القصد من التجنس هو تغيير الدين وأصوله الأساسية
بما يخرج عن دائرة دينه وملته فهو مما لا يرغب فيه مسلم ذو مروءة؛ لأن المارق
من دينه ممقوت عند الله وعند الناس ولو كان دخيلا فيهم. ثم إن في التجنس بهذه
الصفة قلب الهيئة الإسلامية بتغيير الأنساب والنسب في المواريث وحقوق الزوجية
في التصرف؛ إذ المرأة عندنا حرة لا يتوقف تصرفها على إذن زوجها إلى غير
ذلك من مسائل الأرحام والأنساب التي جاءت بها أحكام الشريعة الإسلامية المنزلة.
فلماذا لا تتغير أحكام القانون الفرنسي إلى الأحكام الإسلامية؟
(الفرنسي) : الحق لكم في هذا المبحث فإن نسبة المواريث مقصودة لأجل
إبقاء الميراث بيد الذكور أعمدة البيوت وهو ما قصده الإنكليز من أحكامهم في هذا
الباب. على أنه لا مانع من البحث عن طريقة للتوفيق بين مصالح الهيأتين الأهلية
والفرنسية لدوام الألفة وحسن المعاشرة في هذه الأوطان.
(التونسي) : ذلك أحسن مرغوب تتجه إليه القلوب وترتاح له النفوس ويا
حبذا لو سعت الجرائد المحلية في تحقيقه. غير أني أقول بالإجمال: إن أكفل
وسيلة لبلوغ هذه الأمنية هي توزيع الفوائد والمغانم وتقسيم المنافع المادية بصورة
عادلة توفر للأهالي حظا من فوائد القطر ومغانمه حسية كانت أو معنوية كالوظائف
والمساعدات المادية والأدبية والحث على الترقي الفكري الذي هو ثمرة المدنية.
(قال) ثم وادعنا رصيفنا المومى إليه قانعا بما وضحنا له من
الخطاب. اه
... ... ... ... * * *
(المنار) نقلنا هذا الخطاب بتصرف لفظي قليل لا يغير شيئا عن المعنى
ولا نستنبط منه شيئا بل ندعه للقارئ يفهم منه ما يفهم. ونعرف رصيفنا الفاضل
صاحب الحاضرة بأن الإنكليز لم يحاولوا مقاومة التعليم الأهلي فيقال: (إنهم لم
يتمكنوا من منع النهضة المصرية) إلخ وأن المدارس التي حدث عنها لم تغن عن
مدارس الحكومة ولا قاربتها في حسن التعليم، ولو أن المصريين عرفوا قيمة حرية
الإنكليز في العلم والدين وكل ما يحتاجه من يتولون أمورهم لكانت لهم مدارس كما
وصف الرصيف ولكنهم رزئوا بأحداث يبغضون إليهم الإنكليز وأعمالهم ويمنونهم
بأن فرنسا ستخرجهم من وادي النيل بهذيان أولئك الأحداث ولغطهم فاشتغلوا بهذا
عن كل شيء حتى علمهم الزمان بحوادثه حقيقة غرور الأحداث وتغريرهم والآن
صار يرجى منهم النهوض الحقيقي والتعليم النافع فإن فعلوا فإن الإنكليز يساعدونهم
كما يساعدون إخوانهم في الهند، والله الموفق.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">