واليدين وتعيين الجزء الاختياري وإضافة الأعمال له أو لله إلى غير ذلك ليكون عند
الحنفية الماتريدية والشافعية الأشاعرة مسلما مقلدا يرجى له قبول الإيمان؟ ومن من
العامة يحيط علما بكل ما ثبت بالنص القاطع حتى صفرة بقرة بني إسرائيل مثلا
لكيلا يعتقد خلافه فيكفر فيحبط عمله ومن جملته انفساخ نكاحه؟ وكم من مسلم يحكم
عليه الفقيه الشافعي بأنه نسل سفاح ومقيم على السفاح وراض لمحارمه بالسفاح إلى
غير ذلك مما ينافي سماحة الدين ومزية التدين به في الدنيا قبل الآخرة.
فبهذا التضييق صار المسلم لا يرى لنفسه فرجا إلا بالالتجاء إلى صوفية
الزمان الذين يهونون عليه الدين كل التهوين. (مرحى) وهم القائلون: إن العلم
حجاب و: بلمحة تقع الصلحة. و: بنظرة من المرشد الكامل يصير الشقي وليا،
وبنفخة في وجه المريد أو تفلة في فمه تطيعه الأفعى وتحترمه العقرب التي لدغت
صاحب الغار عليه الرضوان [1] وتدخل تحت أمره قوانين الطبيعة. وهم المقررون
بأن الولاية لا ينافيها ارتكاب الكبائر كلها إلا الكذب، وأن الاعتقاد أولى من الانتقاد
وأن الاعتراض وجب الحرمان؛ أي: أن تحسين الظن بالفساق والفجار أولى من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى غير ذلك من الأقوال المهونة للدين والأعمال
التي تجعله نوعا من اللهو الذي تستأنس به نفوس الجاهلين.
على أن الناس لو وجدوا الصوفية الحقيقيين - وأين هم؟ - لفروا منهم فرارهم
من الأسد؛ لأن ليس عند هؤلاء إلا التوسل بالأسباب العادية الشاقة لتطهير النفوس
من أمراض الإفراط في الشهوات وتصفية القلوب من شوائب الشره في حب الدنيا
وحمل الطبائع بوسائل القهر والتمرين على الاستئناس بالله وبعبادته عوضا عن
الملاهي المضرة، وذلك طلبا للراحة الفكرية والعيشة الهنية في الحياة الدنيا والسعادة
الأبدية في الآخرة. وأين التهوين السالف البيان لصوفية الزمان من هذه المطالب
التهذيبية الشاقة، ومن حقائق العرفان المعنوية التي لا يعرفها وتلمس بها إلا من
وفقه الله وكشف عن بصيرته. وذلك نحو العرفان عن يقين وإيمان أن من أعز
كلمة الله أعزه الله، ومن نصر الله نصره الله، ومن توقع الخير أو الشر جازما نال
ما توقع، ومن تصفو نفسه يلهم رشده ومن اتكل على الله حقا كفاه الله ما أهمه،
ومن دعا الله مضطرا أجاب دعاءه إلى غير ذلك من الحقائق المقتبسة من القرآن
وأسرار حكمة سيد ولد عدنان صلى الله عليه وسلم (مرحى) .
قال (الأستاذ الرئيس) : قد أحسن أخونا الشيخ السندي توصيفه المتفقهة
المتشددة والمتصوفة المخففة وإني ملحق تقريره بما يناسب أن يكون مقدمة تاريخية
لبحث التصوف فأقول:
قد كان التنسك في المسلمين شيمة لأكثر الصحابة والتابعين ثم إن التوسع في
الدنيا قلل عدد المتنسكين فصار لأهله حرمة مخصصة بين الناس، وصار بعض
المتفرغين يقصدون نيل هذه الحرمة بالتلبس بالتنسك وإلزام النفس بالتمرن عليه
وإذا كان من لوازم استحصال تلك الحرمة إظهار التقشف؛ اتخذوا الصوف دثارا
واسم الفقر شعارا فغلب عليهم اسم الصوفية واسم الفقراء أن بعض العلماء من
هؤلاء المعتزين بالتنسك أحبوا التميز بالرياسة أيضا فصاروا يدعون الناس إلى
التنسك ويرشدونهم إلى طرائق التمرن عليه ومن هنا جاء اسم الإرشاد واسم
الطريق.
وإذ كانت إرادة الاعتزاز بالدين إرادة حسنة؛ لأن فيها إعزازا لكلمة الله فلا
يؤخذ بشيء على المرشدين الأولين ولا على البعض النادر من المتأخرين ولو من
أهل عهدنا هذا كالسادات السنوسية في صحراء أفريقيا.
أما دخول الفساد على التصوف وإضراره بالدين وبالمسلمين مما ذكره أخونا
الشيخ السندي وغيره من الإخوان الكرام فقد نشأ من أن بعض المرشدين من أهل
القرن الرابع لما رأوا توسع الفقهاء في الشرع وتفنن المتكلمين في العقائد فهم كذلك
اقتبسوا من فلسفة فيثاغورس وتلامذته في الإلهيات قواعد وانتزعوا من لاهوتيات