فطفق يخاطب النحاتين، ولا بدع فالإنسان في سنه لا يستنكف أن يخاطب كل من
يراه؛ لأن قلبه حينئذ لا يكون قد أفسده الكبر، وقد استفاد من مجاورته معهم فلم
تذهب عليه عبئا.
إن فتى إيقوسيا اسمه هوج ميلار صار من أشهر العلماء في بريطانيا العظمى
ببركة تكسيره الأحجار ونحتها من منحت حجر رملي قديم واستولى استيلاء المالك
على إقليم ذلك المنحت الحافل بالدفائن الأثرية وأصبح اسمه كأنه علم له.
ربما احتذى (أميل) مثال هذا العالم إذا زرنا معا إقليم ديقو نشاير فاعتضد
المطرقة وحمل المتحاف فإني أراه مدفوعا على ذلك بسائق الطبع؛ لأنه يشتهي كغيره
من أترابه أن يهجم على ما يلاقيه من العقبات فيدمره ويزيله؛ ولأن الدفائن الأثرية
التي يستخلصها الإنسان بنفسه من الصخرة أعلى في نظره كثيرا مما يجده منها
مرتبا في المتاحف ذلك؛ لأن آثار الأجسام العضوية تكون غالبا من الاختباء في
باطن الحجر بحيث إنه لا بد قبل استخلاصها من تمييزها منه بل ربما صح لي أن
أقول: إنه لا بد من تخمين وجودها بما يبدو من تحت غطائها الجافي من سمة تدل
عليها أو طرف من أطرافها ثم إن الصخرة تارة تكون صلبة فتقاوم منحات الناحت
وتحتمله وطورا تكون هشة فتتلاشى وتتفتت وفي كلتا الحالتين يهدم الخرق والخطأ
بنقرة واحدة عمل الدهر في قرون كاملة وما أكثر ما يتعلم الطفل في هذا الجهاد.
نعم إن (أميل) سيخدع فيه غير مرة وسيتفق له أن يخسر لقطاته أو يعيها
على حين اعتقاده أنه حصل عليها سالمة من كل نقص ولكن لا شيء في هذا فإن
مثله من اليافعين إذا غلبته العقبات المادية وجد عليها وبعثه ذلك على الانتقام لنفسه منها فلا يلبث أن يظفر بها.
كأن مشاهدة المناحت واسطة ينتقل بها الذهن من علم طبقات الأرض إلى فن
العمارة فسيذكر (أميل) إذا عرض له في طريقه ما في المدن من الأبنية الفخيمة
أن حجارتها تحنت من قاع البحار القديمة، وإذا رأى المعابد والقصور فإن نوع
حجارتها سيحضر في ذهنه الصخرة التي نحتت منها والمخلوقات العضوية القديمة
التي صارت هذه الصخرة رمسا لها.
العلم الذي يحصله الإنسان بعرق جبينه ربما لا يكون واسعا ولكنه يكون متينا
راسخا خذ لذلك مثلا: الزهرة التي تجنى من غور بعد اقتحام ما كان دونها من
العقبات يكون لها في ذاكرة جانيها آثار أقوى مما يكون لزهرة رآها بلا عناء مجهزة
محفوظة في إحدى صحف المجموعات النباتية. وما يجمعه المرأ بنفسه من المحار
والصدف على شاطئ البحر يدرب بصره على إدراك ما يميزه من صفاته الظاهرة
أكثر مما يدربه على ذلك ما يوجد منه مرتبا ومعنونا في رواق معد له فالبحث
يكسب البصر واليد دربة ومرانة.
أنا لا أشك في أن التجارب الكيماوية والطبيعية مفيدة لمن منحوا الميل إلى
التعلم ولكني أرى أن عامة الأطفال قد يبدون من الارتياح إلى العلم معمولا به في
الصناعة ومن الانفعال بما يرونه من آياته فيها أكثر مما يبدونه لمثل هذه التجارب
وقلما يوجد معمل من المعامل الكبيرة إلا وهو أيضا مدرسة كبرى للعقل فما أبهر ما
يرى فيه من قوى للطبيعة مقيدة ومطلقة و (كل) مؤلف من عجلات وأسنان تسحق
الحجر سحقا وتمضغ الحديد ومضغا وتقطع الخشب قطعا وآلاف مؤلفة من إنباض
البخار الذي يحرك جسم هذا (الكل) وإنسان استبدل بأعضائه هذه الأعضاء الصلبية
في كده وكدحه فحلت محله وجرت على مقتضى إرادته وقام هو عليها يلاحظ
مجاهداتها العجيبة بعين قريرة ساكنة.
نعم إن هذا المشهد لا يأخذ أول الأمر إلا ببصر اليافع ولكنه متى كان فيه
شيء من الشوق إلى العلم لا يلبث أن يسأل عن سبب هذه الحركات الاستقلالية وعما
للمواد بعضها على بعض من التأثير المتناوب وبالجملة عن سر الطرق التي تحيل
المادة الفطرية إلى محاصيل صناعية.
ليس أحقر الأشياء بأقلها دائما في صنعة إثارة للشوق ولا ملاحظته بأقل