تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخلفاء والملوك من المدارس وأقاموا من المراصد وما حشدوا من الكتب إلى

المكاتب؛ لأن هذا خارج عن بحثنا الآن، وسيرد عليك شيء منه فيما بعد.

***

(طائفة من الحكماء والعلماء الذين حظوا عند الخلفاء)

أذكر ممن اشتهر من الحكماء بالحظوة عند الخلفاء جيورجيس بن بختيشوع

الجنديسابوري طبيب المنصور كان فيلسوفا كبيرا علت منزلته عند المنصور؛ لأنه

كانت له زوجة عجوز لا تشتهى فأشفق عليه المنصور وأنفذ إليه بثلاث جوار

حسان فردهن، وقال: إن ديني لا يسمح لي بأن أتزوج غير زوجتي ما دامت حية.

فأعلى مكانته حتى على وزرائه.

ولما مرض أمر المنصور بحمله إلى دار العامة وخرج إليه ماشيا يسأل عن حاله

فاستأذنه الحكيم في رجوعه إلى بلده ليدفن مع آبائه فعرض عليه الإسلام ليدخل الجنة

فقال: رضيت أن أكون مع آبائي في جنة أو نار. فضحك المنصور وأمر تبجهيزه

ووصله بعشرة آلاف دينار (وهو المنصور الدوانيقي المشهور بالإمساك وكزازة

اليد) وأوصى من معه بحمله إذا مات في الطريق إلى مدافن آبائه كما طلب، ثم

سأله عمن يخلفه عنده فأشار إلى عيسى بن شهلاثا أحد تلامذته فأخذه المنصور مكان

جيورجيس فطفق يؤذي القسوس والبطارقة ويهددهم بمكانه عند الخليفة لينال منهم

رغائبه فشعر الخليفة بذلك فطرده.

وممن حظي عند المنصور نوبخت المنجم وولده أبو سهل وكانا فارسيين على

مذهب الفرس ثم كانت ذرية مسلمة لأبي سهل، وكانوا جميعا منجمين لهم شهرة في

علوم الكواكب فائقة.

وممن حظي بالمكانة العليا عند الخليفة المهدي: تيوفيل بن توما النصراني

المنجم، وكان على مذهب الموارنة من سكان لبنان، وله كتب في التاريخ جليلة

ونقل كتاب أميروس إلى السريانية بأفصح عبارة.

وممن ارتفع شأنه عند الرشيد من الفلاسفة: بختيشوع الطبيب وجبريل ولده

ويوحنا بن ماسويه النصراني السرياني، ولاه الرشيد ترجمة الكتب القديمة طبية

وغيرها وخدم الرشيد ومن بعده إلى المتوكل، وكان يعقد في داره مجلسا للدرس

والمناظرة ولم يكن يجتمع في بيت للمذاكرة في العلوم من كل نوع والآداب من كل

فن مثل ما يجتمع في بيت يوحنا بن ماسويه.

وممن علا قدره في زمن المأمون يوحنا البطريق مولى المأمون أقامه كذلك

أمينا على ترجمة الكتب من كل علم من علوم الطب والفلسفة.

كذلك ارتفع شأن سهل بن سابور، وسابور ابنه وكانا نصرانيين وولي سابور

بن سهل بيمارستان جنديسابور.

وكان سلمويه بن بنان النصراني طبيبا عند المعتصم ولما مات جزع عليه

جزعا شديدا وأمر بأن يدفن بالبخور والشموع على طريقة النصارى وكان بختيشوع

بن جبريل عند المتوكل يوما فأجلسه بجانبه وكان عليه دراعة حرير رومية بها فتق

فأخذ المتوكل يحادثه يعبث بالفتق حتى وصل إلى النيفق (هو ما اتسع من الثوب)

ودار الكلام بينهما حتى سأله المتوكل: بماذا تعلمون أن الموسوس

(المصاب بخبل في عقله) يحتاج إلى الشد؟ فقال بختيشوع: إذا عبث بفتق

دراعة طبيبه حتى النيفق شددناه فضحك المتوكل حتى استلقى.

وفي أيام المتوكل اشتهر حنين بن إسحق النصراني العبادي وهو من أشهر

المترجمين لكتب أرسطو وغيره وامتحن المتوكل صدقه فظهرت له عزيمة لا تفل؛

فأقطعه إقطاعات واسعة وكان قد عرف بفصاحة العبارة وحسن الترجمة في زمن

المأمون وهو فتى؛ فكلفه بترجمة الكتب وكان يعطيه وزن ما يترجم ذهبا وكانت

بينه وبين الطيفوري النصراني محاسدة أفضت إلى طلب الحكم على حنين في

مجلس الأساقفة بالحرم من الكنيسة فمات غما لاضطهاد أهل طائفته له مع عزته

وعلو قدره عند الخليفة وهذا الطيفوري أيضا كان من المقربين عند الخلفاء.

وممن ارتفع شأنه عند الخلفاء والخاصة والعامة في زمنه أيام خلافة الراضي:

متى بن يونس المنطقي النصراني النسطوري كان مفننا في جميع العلوم العقلية

أخذ عنه أبو نصر الفارابي وانتهت إليه الرياسة في بغداد وكان من أهل دير قنى

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٠١