تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وآخرين ما بين مستلق على ظهره ومنكب على وجهه ومن بينهم من التفوا حول

أدون المآكل يأكلون فيها بشهوة المنهوم فألقي في روعي لأول الأمر أنها ساحة

يستريح بها الطلبة في أوقات معلومة بعد طول المطالعة والدرس، وإجهاد القوة

ونصب النفس، فعذرتهم إذ ذاك على استلقائهم وانكبابهم وتزاحمهم على المأكل

لتعويض ما اندثر من أدمغتم عقب الجد والتحصيل، والاشتغال الطويل، غير أني

لم ألبث هنية حتى أخبرني صاحب إلى جانبي من الطلبة السوريين - وكنت قد

اصطحبته لمثل هذه الحال - بأن تلك الساحة قطعة من المدرسة نفسها وأن ما أراه

إنما هو نظامهم في الطلب والتحصيل فكدت أن أصعق إذ ذاك، وتلبد فكري بغيوم

الكدر والحزن حتى أوشكت أهلك أسى وغما، ولقد كنت أرى في تلك الساحة الرجل

وقد كبرت سنه حتى خارت قوته ورق عظمه فانحنى ظهره، وضعف عضده،

حتى رعشت يده، وكل بصره حتى لا يبصر إلا شفا، وإنه على ذلك كله ليجلس

وإلى جانبه فتى حديث السن غض الشباب ماطر له شارب ولا خط له عذار

وكلاهما يدرس ويتفاهم مع الآخر على أنه من أضرابه في الطلب ومنافسيه في

التحصيل ويجلس كل منهما في حلقة درس واحد.

ثم اخترقت تلك الساحة وأنا مدهوش العقل ذاهل اللب لما أراه من اجتماع

الأضداد المتناقضات وولجت من باب هناك إلى المقصورة المعدة للتدريس، وقد كنا

قبيل الظهر فإذا محل فسيح الأرجاء ذو سقف يقوم على نحو أربعمائة عمود يخال

إلي من شكلها أنها نقلت إليه من المعابد والهياكل القديمة تميد بها تلك الألوف ميدانا

وهم على مثال من رأيت في صحن المدرسة من اختلاط الحابل بالنابل، وتلاشي

النظام والترتيب إلى حد ظننت معه أنهم مأمورون بذلك، وأن من قوانين التعليم هناك

استئصال حب النظام من الصدور كما يستأصل الخلق السيئ.

وأعجب ما رأيته بين الطلبة من سلطان العادة على النفوس أن الطالب هناك لا

تحلو له المذاكرة ولا يروق التحصيل إلا إذا رفع صوته بأقصى ما في إمكانه فيتألف

من مجموعهم دوي يصم أذن القادم عليهم، فاخترق بي صاحبي السوري الجموع

حتى انتهى بي إلى محل هناك يقال له (رواق الشوام) فصعد بي على مدارجه إلى

غرفة هناك استرحت بها قليلا وكان قد أذن الظهر فقال لي الصاحب هلم نمر بالدروس

وهي منتظمة، أما الدوي فلا يلبث أن يسكن لاشتغال الطلبة بالسماع من معلمهم؛ فلم

أتمالك نفسي علم الله من البكاء على أثر قوله انتظام الدروس وقلت - ومهجتي تذوب

من الأسى فتنحدر من عيني دموعا -: يا حبذا ذاك الدوي لو كان زمجرة رعد تبشر

بسقوط غيث العلم من سماء على صدور الطالبين، فتنبت ما يقوم بشفاء داء الإسلام

والمسلمين.

ثم قمت وقام الصاحب حتى إذا كنا في واسطة الدرج أخذت أرسم له كيف

يغشى بي الدروس، وذلك أن يبدأ بدرس أول كتاب يدرسونه في النحو ثم ينتقل

بالتدريج حتى درس آخر كتاب اصطلحوا أن يكون خاتمة الطلب في الفن ففعل

وكان أول درس وقفت عليه درس الكتاب الأول وأول كلمة سمعتها فيه قول المعلم

(واختلف في الجار والمجرور هل هو متعلق بظرف أو بفعل) فالتفت إلى صاحبي

وقلت أوتهزأ بي يا هذا، ألم أقل لك أن تذهب إلى أول كتاب فقال: لم أهزأ بك

والشيخ إنما يقرأ أول كتاب في النحو ويقرر ثاني درس في الكتاب فقلت لن يثبت

ما تقول في نفسي حتى تريني آية ذلك فأشار إلى غلام يليه من الدرس فسأله ماذا

يقرأ الشيخ يا صاحبي؟ قال الكفراوي قلت أنا والكفراوي ماذا؟ قال: أول كتاب يقرأ

في النحو؟ فأخذت بيد صاحبي إذ ذاك وأنا خجل من اتهامي إياه وقلت: اذهب بي

توا إلى الدروس الثانوية حتى أرى ماذا يقرأون.. . ولا أريد أيها الأخ أن أطيل لك

القول في هذه الرسالة بتفصيل ما رأيته بعد ذلك بل أجمل لك فيه القول إجمالا.

وجدت معلم الكتاب الثاني يشتغل بتعريف المركب عند المناطقة طويلا ثم لوى

زمام الكلام إلى تعريف عند اللغويين فالبيانيين فالتوحيديين إلى فنون أخر ذهب

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١٨٩