تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم قال: أيها الإخوان الكرام قد أطلت المقال فاعذروني فإني من قوم ألفوا

ذكر الدليل وإن كان معروفا مشهورا وقد ذكرت طريقة علماء العرب في

الجزيرة منوها بفضلها لا بفضلهم على غيرهم كلا بل غالب علماء سائر

الجهات أحد ذهنا وأدق نظرا وأغزر مادة وأوسع علما، ولذلك لم نزل نحن في

تعجب وحيرة من نظر أولئك العلماء المتبحرين في أنفسهم العجز عن الاستهداء

وقولهم بسد باب الاجتهاد.

نعم لم يبق في الإمكان أن يأتي الزمان بأمثال ابن عمر وابن عباس أو

النخعي وداود أو سفيان ومالك أو زيد وجعفر أو النعمان والشافعي أو أحمد

والبخاري رضي الله عنهم أجمعين، ولكن متى كلف الله تعالى عباده بدين لا يفقه

إلا أمثال هؤلاء النوابغ العظام؟! أليس أساس ديننا القرآن وقد قال تعالى عنه فيه:

﴿إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون﴾ (الزخرف: 3) وقال تعالى:

﴿كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا﴾ (فصلت: 3) وقال تعالى: {ولقد يسرنا

القرآن للذكر فهل من مدكر} (القمر: 17) وقال {ولقد أنزلنا إليك آيات

بينات} (البقرة: 99) وقال تعالى: ﴿فلا يتدبرون القرآن﴾ (النساء: 82)

فما معنى دعوى العجز والتمثيل بمن قالوا: ﴿قلوبنا غلف﴾ (البقرة: 88)

حمانا الله تعالى (مرحى) .

أما السنة النبوية أفلم تصل إلينا مجموعة مدونة بهمة أئمة الحديث جزاهم

الله خيرا الذين جابوا الأقطار والبلاد التي تفرق إليها الصحابة رضي الله عنهم

بسبب الفتوحات والفتن فجمعوا متفرقات ودونوها وسهلوا الإحاطة بما لم يتسهل

الوقوف عليه لغير أفراد من علماء الصحابة الذين كانوا ملازمين النبي عليه

السلام.

وكذا يقال في حق أسباب النزول ومواقع الخطاب ومعاني الغريب في

القرآن والسنة فإن علماء التابعين وتابعيهم والناسجين على منوالهم رحمهم الله لم

يألوا جهدا في ضبطها وبيانها.

وكذلك الأئمة المجتهدون والفقهاء الأولون علمونا طرائق الاستهداء

والاجتهاد والاستنباط والتخريج والتفريع وقياس النظير على النظير فهم

أرشدونا إلى الاستهداء وما أحد منهم دعانا إلى الاقتداء به مطلقا (مرحى) .

ثم إننا إذا أردنا أن ندقق النظر في مرتبة علم أولئك المجتهدين العظام لا

نجد فيهم علما وهبيا أو كسبيا خارقا للعادة فهذا الإمام الشافعي رحمه الله وهو

أغزرهم مادة وأول وأعظم من وضع أصولا لفقهه نجده قد أسس مذهبه على

اللغة فقط من حيث المشترك والمتباين والمترادف والحقيقة والمجاز والاستعارة

والكناية والشرط والجزاء والاستثناء المتصل والمنفصل والمنقطع والعطف

المرتب وغير المرتب والفور والتراخي والحروف ومعانيها إلى قواعد أخرى لا

تخرج عن علم اللغة، واتبع أبا حنيفة في إدخاله في أصول مذهبه بعض قواعد

منطقية مثل دلالة المطابقة والتضمن والالتزام ومعرفة الجنس والنوع والفصل

والخاصة والعرض والمقدمين والنتيجة والقياس والمنتج واتبعه أيضا في قياس

ما لم يرد فيه قرآن أو حديث على ما ورد فيه، وهكذا فتح كل من أولئك الأئمة

العظام لمن بعده ميدانا واسعا فجاء أتباعهم ومدوا الأطناب وأكثروا من الأبواب

وتفننوا في الأشكال وتنويع الأحكام وأحدثوا علمي الأصول والكلام، وهذا

التوسع كله ليس من ضروريات الدين بل ضرره أكثر من نفعه وما أشبه الأمور

الدينية بالأمور المعاشية كلما زاد التأنق فيها بقصد استكمال أسباب الراحة

انسلبت الراحة.

والقول الذي فيه فصل الخطاب أن الله سبحانه وله الحكم لم يرض منا أن

نتبع إلا علم الأفضل بل كلفنا بأن نستهدي كتابه وسنة رسوله على حسب

إمكاننا وطاقتنا وهو يرضى منا بجهدنا حيث قال تعالى: {لا يكلف الله نفسا

إلا وسعها} (البقرة: 286) فنسأل الله التوفيق لسواء السبيل.

قال الأستاذ الرئيس: إني أحمد الله تعالى على توفيقه إيانا إلى هذا

الاجتماع المبارك الذي استفدنا منه ما لم نكن نعلمه من قبل عن حالة إخواننا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١٨٦