تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم يكن الفقيد في اشتغاله بخدمة بيته وبلده وحكومته غافلا عن شئون

المسلمين العامة فقد كان يقرأ الجرائد التركية والمصرية حتى الممنوعة التي كانت

تدخل إلى حلب كغيرها بوسائط خفية. ولما هاجر إلى مصر كان أول أثر له فيها

طبع سجل جمعية أم القرى وكان يقول: إن لهذه الجمعية أصلا، وأنه هو توسع في

السجل ونقحه ست مرات آخره عند طبعه منذ سنتين ونيف أي عقيب قدومه إلى

مصر. وقد قال لنا مرة: إن الإنسان يتجرأ أن يقول ويكتب في بلاد الحرية ما لا

يتجرأ عليه في بلاد الاستبداد بل إن بلاد الحرية تولد في الذهن من الأفكار والآراء

ما لا يتولد في غيرها. ومن يقرأ الكتاب يظن أن صاحبه صرف معظم عمره

في البحث عن أحوال المسلمين وتاريخهم في عقائدهم وعلومهم وآدابهم وتقاليدهم

وعاداتهم ومنه يعلم رأي الفقيد في الإصلاح وقد كنا معه على وفاق في أكثر

مسائل الإصلاح حتى إن صاحب الدولة مختار باشا الغازي اتهمنا بتأليف الكتاب

عندما اطلع عليه وربما نشير إلى المسائل التي خالفنا الفقيد فيها في هامش الكتاب

عند طبعه وأهمها الفصل بين السلطتين الدينية والسياسية.

أما آراؤه السياسية فحسبنا منها كتاب طبائع الاستبداد الذي يكاد يكون معجزة

للكتاب السياسيين. وقد زعموا أن معظم ما في هذا الكتاب مقتبس من كتاب

لفليسوف إيطالي في الظلم. ومن كان له عقل يميز بين أحوال الإفرنج الاجتماعية

وأحوالنا وذوقهم في العلم وذوقنا يعلم أن هذا الوضع وضع حكيم شرقي يقتبس علم

الاجتماع والسياسة في حالة بلاده حتى كأنه يصورها تصويرا، وإذا لاحظ مع ذلك أن

هذا الكتاب كان مقالات مختصرة نشرت في المؤيد ثم مدها صاحبها مد الأديم

العكاظي وزاد فيها فكانت كتابا حافلا يتجلى له علمه الأول بصورة أوضح وأجلى،

وإذا علم بعد هذا كله أنه نقحه بعد الطبع فحذف منه قليلا وزاد فيه كثيرا يعلم علم

اليقين أن ينبوع علم هذا الرجل صدره وأنه كان يزداد في كل يوم فيضانا وتفجيرا،

نعم إن قال في مقدمته: إن بعضه مما درسه، وبعضه مما اقتبسه، وإننا نعلم أنه

لم يولد إنسان عالما ولكن فرقا عظيما بين من يحكي كلام كغيره كآلة (الفوتغراف)

وبين من يحكم عقله في علوم الناس فيأخذ ما صح عنده وينبذ ما لا يصح. من كان

له مثل هذا العقل الحاكم في كليات العلوم فهو الفيلسوف إن كان اجتهاده هذا في

العلوم العقلية والكونية وهو الإمام إن كان اجتهاده في العلوم الدينية.

وجهته الأخيرة:

وجه همته أخيرا إلى التوسع في معرفة حال المسلمين ليسعى في الإصلاح

على بصيرة فبعد اختباره التام لبلاد الدولة العلية تركها وعربها وأكرادها وأرمنها،

ثم اختباره لمصر ومعرفة حال السودان منها ساح منذ سنتين في سواحل إفريقية

الشرقية وسواحل أسيا الغربية، ثم أتم سياحته في العام الماضي فاختبر بلاد العرب

التي كانت موضع أمله أتم الاختبار فإنه دخلها من سواحل المحيط الهندي ومازال

يوغل فيها حتى دخل في بلاد سوريا واجتمع بالأمراء وشيوخ القبائل وعرف

استعدادهم الحربي والأدبي وعرف حالة البلاد الزراعية وعرف كثيرا من معادتها

حتى إنه استحضر نموذجا منها. وقد انتهى في رحلته الأخيرة إلى كراجي (من

مواني الهند) وسخر الله له في عودته سفينة حربية إيطالية حملته بتوصية من

وكيل إيطاليا السياسي في مسقط فطافت به سواحل بلاد العرب وسواحل إفريقيا

الشرقية فتيسر له بذلك اختبار هذه البلاد اختبارا سبق به الإفرنج، وكان في نفسه

رحلة أخرى يتم بها اختباره للمسلمين وهي الرحلة إلى بلاد الغرب ولكن حالت

دونه المنية التي تحول دون كل الأماني والعزائم.

أرأيت رجلا كريم الأصل، كبير العقل، تربى أحسن تربية وتعلم أحسن

تعليم ودخل في الأعمال المختلفة وتصدى للمشروعات المتعددة وكتب في أدق

المسائل أحسن الكتابة وساح في البلاد، واختبر أحوال الأمم، حتى بلغ أشده،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١٣٧