تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فترى القائمين على التعليم عوضا عن تميمهم أن الغرض من مجاهداتهم وكدحهم في

التعلم إنما هو نيل الفخر بأن يكونوا عمالا نافعين- يجعلون غايتهم الارتقاء إلى

المناصب ونيل الغنى، ويقتضون منهم أن يبلغوا إليها وهم بذلك يبكرون بحمل

الأحداث على أن يتبينوا أن المواضعة والصنعة هما أقرب طرق النجاح وأحسن

وسائل الفلاح. اه

الشذرة السادسة

(مذهب تشغيل المتعلمين بالأعمال المادية الشاقة)

توجد في بعض المدارس بإنكلترا عادات قديمة يدهش منها الأجانب كثيرا ذلك

أن التلامذة فيما يوجد منها بمدينتي راتون وهارو وهي التي يدخلها أبناء السراة

غالبا يخدم بعضهم بعضا، وليس أمر الخادمية والمخدومية فيها متعلقا بمكانة التلميذ

في قومه، ولا بغنى أهله أو فقرهم بل بالأقدمية وبعض الدرجات المدرسية، فيجوز

أن يلزم الطفل الغني السري بتنفيض ثياب الطفل الفقير الوضيع وتأدية مطالبه

وتنظيف غرفته وإيقاد ناره وتسوية طعامه وحمل كتبه إليه في قاعة الدرس، فيقع

الإلزام بالخدمة على من تجعلهم المدرسة في الدرجات الدنيا من أقسامها.

والذي أستهجنه من هذه العادة ما يكون بين التلميذ الخادم والمخدوم من رابطة

التابعية الذاتية، فإن الأقدمين من التلامذة يسيرون أحيانا مع من يعتبرونهم خدما لهم من إخوانهم سيرة في غاية القسوة حتى إنه ليقع منهم في حقهم ما نقرأه في قصص موليير [1] المضحكة من الشتائم وضربات الأكف، وجميع ضروب سوء

المعاملة التي تقع من صغار الموالي على خدمتهم بأرجلهم وأيديهم الخفيفة الحركة.

أولئك الخدم الصغار الذين كانوا بالأمس أرقاء وصبرا على الذل مستسلمين للجور يصيرون في الغد سادة متجبرين، وهكذا شأن الدنيا وبمثل هذا تنقل جميع أنواع العتو والطغيان من سلف إلى خلف.

لا أرى فيما عدا هذا العيب شيئا في هذه الطريقة فإنه لا ضرر مطلقا في أن

يقوم بخدمة المدرسة التلامذة أنفسهم. ولقد عرفت فيما مضى مدرسة كان يديرها

رجل وافر العقل عالي الفكر اختار هذا المذهب وتيسر له أن يجني منه فوائد كبرى

في تربية الناشئين، ذلك أنه عهد بمعظم أعمال مدرسته إلى جماعات من الغلمان

واليافعين منقسمين إلى طوائف على حسب مقتضيات أذواقهم وضروب ميلهم

الفطري؛ لأنهم كانوا في هذه الأعمال مختارين متطوعين فكان الواحد مهنم إما لبادا

أو كناسا أو وقادا للمصابيح أو موقظا لإخوانه في الصباح أو منظما لقاعة الدرس

وكانوا يتناولون خدمة المائدة وكانت الأعمال المسخرة التي تقتضي أكثر من غيرها

إخلاصا أجل من غيرها أيضا في نظر التلاميذ؛ لأن رئيس المدرسة كان يتظاهر

بتميزها عن غيرها بما كان يوزعه من شارات الشرف على من كان يدعوهم

إقدامهم إلى مباشرتها. وليتك زرت هذا المكان حتى كنت تشاهد مقدار التحمس

المفرح الذي يبديه كل تلميذ في القيام بعمله كأنه فرض اختياري أوجبه على نفسه.

كان من مزايا هذه الخدمة البيتية للتلاميذ أنها كانت تسلية لهم من عناء الدروس؛

لأنه كان من رأي رئيسهم أن في المراوحة بين الأعمال استراحة من مشقتها وكان

من غرضه فوق ذلك أن يلقي في نفوسهم معنى احترام جميع الوظائف وكل فروع

العمل اليدوي، فإن الإنسان لا يحتقر من غيره ما يباشره هو بنفسه.

إني لتعرض لي في بعض الأحيان أحوال تحملني على اعتقاد أن ما ندعيه من

حب المساوة ليس إلا رياء ونقاقا؛ لأني أرى من لا تفتر ألسنتهم عن اللهج بهذه

الدعوى لا يجرون على مقتضاها في أعمالهم، فالطفل الذي يرى في المدارس أو

البيوت أناسا استؤجروا لخدمته يستنتج من ذلك طبعا أن الأعمال الشاقة أو الكريهة

هي من حظ الطبقة السفلى من قومه ولا يفيد في محو هذا الاعتقاد من نفسه أن

تحدثه في المستقبل عن ضرورة تقسيم العمل بين الناس أو عن غير ذلك من

المسائل النظرية الكثيرة فإنه يعلم كمال العلم أن ليس للخدم أن يأكلوا على موائد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١٣١