ومنهم قوم يعتبرون البلادة صلاحا والخبل خشوعا والصرع وصولا والهذيان
عرفانا والجنون منتهى المراتب السبع للكمال.
ومنهم خلفاء كهنة العرب يدعون علم الغيب بالاستخراج من الجفر والرمل أو
أحكام النجوم أو الروحاني أو الزايرجه أو الأبجديات أو بالنظر في الماء أو السماء
أو الودع أو باستخدام الجن والمردة، إلى غير ذلك من صنائع التدليس والإيهام
والخزعبلات وليس العجب انتشار ذلك بين العامة الذين كالأنعام في كل الأمم
والأقوام، بل العجب دخول بعضه على كثير من الخواص وقليل من العلماء كأنه من
عزيز الكمالات في دين الإسلام (مرحى) .
فهذه حالات السواد الأعظم من الأمة وكلها إما شرك صراح أو مظنات إشراك
حكمها في الحكمة الدينية حكم الشرك بلا إشكال، وما أخر الأمة إلى هذه الحالات
الجاهلية، وبالتعبير الأصح: رجع بها إلى الشرك الأول إلا الميل الطبيعي للشرك
كما سبق بيانه مع قلة علماء الدين وتهاون الموجودين في الهدى والإرشاد.
نعم، إن رد العامة عن ميلها أمر غير هين وقد شبه النبي عليه السلام معاناته
الناس فيه بقوله: (مثلي كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل
الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن
فيها فأنا آخذ في حجزكم عن النار وأنتم تقحمون فيها [1] ) وقد قال الله تعالى في
العلماء المتهاونين عن الإرشاد كيلا يقابلوا الناس بما لا يهوون: {إن الذين
يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم
إلا النار} (البقرة: 174) ، وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: (لما وقعت بنو
إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم وآكلوهم
وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن
مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) فالتبعة كل التبعة على العلماء الراشدين، ولم
يزل والحمد لله في القوس منزع ولم يستغرقنا بعد انتزاع العلماء بالكلية كما أنذرنا
به النبي عليه السلام في قوله: (إن الله لا يقبض العلماء انتزاعا من الناس ولكن
يقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهلاء؛ فسئلوا فأفتوا بغير
علم؛ فضلوا وأضلوا) ولا حول ولا قوة إلا بالله!
ثم قال: ولننتقل من بحث الشرك والإعراض عن ذكر الله إلى بيان أسباب
التشديد في الدين وحالة التشويش الواقع فيه المسلمون فأقول ...
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) المنار: هذا الحديث رواه الترمذي وحسنه وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرطهما.
(2) رواه أحمد والشيخان عن أبي هريرة وروياه عن أبي سعيد ورواه أصحاب السنن وغيرهم.
(3) أي من عبادة غيره.
(4) كجوامع القسطنطينية وبلاد الترك، كذا في هامش الأصل ومثل بلاد الترك كثير من بلاد المسلمين.
(5) لفظ الحديث: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم إنما أنا عبد الله فقولوا: عبد الله ورسوله) رواه البخاري والترمذي في الشمائل ولا أذكر غيرهما الآن.
(6) ينقل عنهم (إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك) .
(7) الحديث رواه أحمد ومسلم عن جابر بلفظ (مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الفراش والجنادب يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم من النار وأنتم تفلتون من يدي) .
(8) رواه الترمذي وقال حسن غريب.
(9) رواه الشيخان وأصحاب السنن ما عدا أبا داود عن عبد الله بن عمرو ولفظ مسلم (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) وفي البخاري (من العباد) بدل (من الناس) وقال (حتى إذا يبق عالم) كما هنا.</span></span>
الكاتب: عبد العزيز محمد
-----------------